فِي الِاسْتِشْرَافِ رَفْعُ الْبَصَرِ لِلنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ وَبَسْطُ الْكَفِّ فَوْقَ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَقْبَحُ بُرُوزُهَا وَظُهُورُهَا فَإِذَا خَرَجَتْ أَمْعَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا بِغَيْرِهَا، وَيُغْوِيَ غَيْرَهَا بِهَا لِيُوقِعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْفِتْنَةِ. أَوْ يُرِيدَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ» (١).
والاختلاط وسيلة إلى تسهيل هذا التزيين والإغواء.
الدليل الثامن: قول رسول الله - ﵌ - «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ووجه الدلالة أن الرسول - ﵌ - شرع للنساء إذا أتَيْن إلى المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر، والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبُعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذمّ أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد؛ لفوات التقدم والقُرْب من الإمام وقربه من النساء اللاتى يشغلن البال، وربما أفسدن به العبادة وشوشن النية والخشوع.
فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى فيمنع الاختلاط من باب أولى» (٢).
_________________
(١) تحفة الأحوذي (٤/ ٢٨٣).
(٢) فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم في حكم الاختلاط بين الرجال والنساء.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد أفرد النبي - ﵌ - في المسجد بابًا خاصًّا للنساء يدخلن، ويخَرجن منه، لا يُخالطهن، ولا يُشاركهن فيه الرجال.
فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قَالَ نَافِعٌ: «فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَاب): أَيْ بَاب الْمَسْجِد الَّذِي أَشَارَ النَّبِيّ - ﵌ -، (لِلنِّسَاءِ): لَكَانَ خَيْرًا وَأَحْسَن لِئَلَّا تَخْتَلِط النِّسَاء بِالرِّجَالِ فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد.
وَالْحَدِيث فِيهِ دَلِيل أَنَّ النِّسَاء لَا يَخْتَلِطْنَ فِي الْمَسَاجِد مَعَ الرِّجَال بَلْ يَعْتَزِلْنَ فِي جَانِب الْمَسْجِد وَيُصَلِّينَ هُنَاكَ بِالِاقْتِدَاءِ مَعَ الْإِمَام، فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَشَدّ اِتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، فَلَمْ يَدْخُل مِنْ الْبَاب الَّذِي جُعِلَ لِلنِّسَاءِ حَتَّى مَاتَ» (١).
وشرع النبي - ﵌ - للرجال إمامًا ومؤتمين ألاَّ يخرُجوا فور التسليم من الصلاة، إذا كان بالصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، حتى يخرجن، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين - ولو بدون قصد - إذا خرجوا جميعًا.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَيْمَا يَنْفُذُ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ». (رواه أبو داود، بَاب انْصِرَافِ النِّسَاءِ قَبْلَ الرِّجَالِ مِنْ الصَّلَاةِ، وصححه الألباني).
قَالَ صَاحِبُ (عَوْنِ الْمَعْبُودِ) في شرحه لهذا الحديث: «(إِذَا سَلَّمَ): أَيْ مِنْ الصَّلَاة (كَيْمَا يَنْفُذ): أَيْ يَمْضِينَ وَيَتَخَلَّصْنَ مِنْ مُزَاحَمَة الرِّجَال.
_________________
(١) عون المعبود (٢/ ٩٢).
[ ١ / ١٠١ ]
وَالْحَدِيث فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ مُرَاعَاة أَحْوَال الْمَأْمُومِينَ وَالِاحْتِيَاط فِي ِاجْتِنَاب مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور، وَاجْتِنَاب مَوَاقِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (١).
وعن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «فَأُرَى وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْقَوْمِ» (رواه البخاري).
وفي رواية عن الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵌ - كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى - وَاللهُ أَعْلَمُ - لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﵌ - قَالَتْ: «كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ -» (رواه البخاري).
وعن أُمَّ سَلَمَةَ - ﵂ - أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - َ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﵌ - قَامَ الرِّجَالُ» (رواه النسائي وصححه الألباني).
قال السندي: قَوْله (قُمْنَ) أَيْ خَرَجْنَ إِلَى بُيُوتهنَّ (وَثَبَتَ) أَيْ قَعَدَ - ﵌ - فِي مَكَانه لِيَقْعُد الرِّجَال خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَة بِلِقَاءِ الرِّجَال النِّسَاء فِي الطَّرِيق وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» (٢).
_________________
(١) عون المعبود (٣/ ٢٥٣).
(٢) حاشية على سنن النسائي (٣/ ٦٧).
[ ١ / ١٠٢ ]
وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فكيف بما عداها؟!.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «شَهِدْتُ الصَّلاَةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نَبِىُّ اللهِ - ﵌ - فَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ مَعَ بِلاَلٍ» (رواه البخاري ومسلم). يجلّس الرجال لكي لا يختلطوا بالنساء.