قلت: ظاهره في مرة واحدة وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي - ﵌ - أن زوجها بتَّ طلاقها، تعني ــ والله أعلم ــ أنه طلَّقها ثلاثًا، وقال النبي - ﵌ -: "ليس لك عليه نفقة" لأنه ــ والله أعلم ــ لا رجعة له عليها".
أقول: حديث امرأة رفاعة في صحيح البخاري (^١)، وحديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم (^٢)، وأشار إليه البخاري (^٣).
والجواب عن الحديثين: أن كليهما قد جاء مفسرًا في رواية أخرى بما يزيل الشبهة.
ففي صحيح البخاري في حديث امرأة رفاعة: " فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات". (صحيح البخاري ج ٨/ ص ٢٣، ومثله في صحيح مسلم ج ٤ / ص ١٥٤) (^٤).
وفي حديث فاطمة بنت قيس في رواية عند مسلم (^٥): " أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات". وفي رواية أخرى (^٦): "أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة
_________________
(١) رقم (٥٢٦٠).
(٢) رقم (١٤٨٠).
(٣) انظر "الصحيح" مع "الفتح" (٩/ ٤٧٧) وكلام الحافظ عليه.
(٤) البخاري (٦٠٨٤) ومسلم (١٤٣٣/ ١١٣).
(٥) مسلم (١٤٨٠/ ٤٠).
(٦) مسلم (١٤٨٠/ ٤١).
[ ١٧ / ٦٣٦ ]
بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها". (صحيح مسلم ج ٤/ ص ١٩٦ ــ ١٩٧).
قال (^١) رحمه الله تعالى: "فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثًا على عهد النبي - ﵌ -؟
قيل: نعم، عويمر العجلاني، طلَّق امرأته ثلاثًا، قبل أن يخبرهُ النبي - ﵌ - أنها تحرم عليه باللعان، فلم أعلم النبيَّ - ﵌ - نهاه .. ولم أعلمه عاب طلاق ثلاثٍ معًا".
أقول: حديث لعان عويمر قد رواه نفرٌ من الصحابة، ولم يذكر الطلاق إلا في رواية سهل بن سعد، رواها الزهري عنه.
ثم اختلف على الزهري:
فروي عنه كما ذكره الشافعي، رواه مالك وابن جريج وغيرهما (^٢).
وروي عنه بلفظ "فطلقها" فقط، رواه الأوزاعي كما في "صحيح البخاري" في تفسير سورة النور (^٣)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (مسند ج ٥/ ص ٣٣٧) (^٤).
وروي عنه بلفظ "ففارقها" فقط، رواه جماعة منهم: فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (^٥)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند
_________________
(١) أي الشافعي في "الأم" (١٠/ ٢٦٠).
(٢) رواية مالك عند البخاري (٥٣٠٨) ورواية ابن جريج عنده (٥٣٠٩).
(٣) البخاري (٤٧٤٥).
(٤) "مسند أحمد" (٢٢٨٥٦).
(٥) البخاري (٤٧٤٦).
[ ١٧ / ٦٣٧ ]
النسائي (^١)، وعقيل عند أحمد (مسند ج ٥/ ص ٣٣٧) (^٢)، وابن أبي ذئب عند البخاري في الاعتصام (صحيح البخاري ج ٩/ ص ٩٨) (^٣).
وروي عنه بلفظ: "قال: يا رسول الله! ظلمتُها إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق". رواه ابن إسحاق، هكذا ذكره الحافظ في "الفتح" (^٤) نقلًا عن "مسند أحمد"، والذي في نسخة المسند المطبوعة بلفظ: "وهي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق" (المسند ج ٥/ ص ٣٣٤) (^٥).
ثم قال الحافظ: "وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة" (فتح الباري ج ٩/ ص ٣٦٥) (^٦).
أقول: لم يذكر الزهري صفة الطلاق إلا في هذه الرواية، وابن إسحاق أعلم بالله من أن يسمع من ابن شهاب قوله: "فطلقها ثلاثًا" فيرى هذا المعنى مخالفًا لرأيه، فيعمد إلى إبداله بما يوافق مذهبه على أنه من لفظ الملاعن، وهذا تبديلٌ وتحريفٌ، لا رواية بالمعنى. وليس اتهامه بذلك بأقوى من احتمال أن يكون الزهري كان ربما زاد لفظ "ثلاثًا" لما فهمه من أن الطلاق كان باتًّا، بسبب
_________________
(١) النسائي (٦/ ١٧١).
(٢) "المسند" (٢٢٨٥٣).
(٣) البخاري (٧٣٠٤).
(٤) "فتح الباري" (٩/ ٤٥١).
(٥) "المسند" (٢٢٨٣١) بحذف واوات العطف.
(٦) "فتح الباري" (٩/ ٤٥١).
[ ١٧ / ٦٣٨ ]
أن النبي - ﵌ - فرق بينهما الفرقة الباتة، وظن أن سبب التفرقة تلك هو الطلاق، وإن صارت السنة بعد ذلك الفرقة المؤبدة، ولو بلا لفظ طلاق.
وفي الصحيحين (^١) بعد ذكر الطلاق، قال ابن شهاب ــ وهو الزهري ــ: "فكانت سنة المتلاعنين"، وفي رواية (^٢): "وكان ذلك تفريقًا بين كل متلاعنين".
على أن قوله: "فطلقها ثلاثًا" محتملٌ احتمالًا قريبًا أن يكون معناه: كرَّر الطلاقَ ثلاثًا، فيكون طلَّق تطليقة، ولكن أكّد تأكيدًا لفظيًا.
ويؤيد هذا اقتصار ابن شهاب تارةً على "طلَّقها"، وتارةً على "فارقها".
وعلى هذا، فرواية ابن إسحاق إنما كانت تفيد طلقة واحدة، إلا أنه أكّد اللفظ، فأعاده ثلاثًا، كما فهمه ابن حجر، فهي مفسِّرة للروايات الأخرى، لا مخالفة.
[ص ١٨] وفوق هذا كله، فلو ثبت أن عويمرًا قال: " طلقتها ثلاثًا" أو نحو هذا اللفظ، وأقره عليه النبي - ﵌ -، فإن ذلك لا يدل على إمكان وقوع الثلاث معًا، لاحتمال أن يكون لم يقصد إيقاع الثلاث، وإنما قصد إظهار أنه لا يريد أن يراجعها، فكأنه يقول: لو استطعتُ أن أوقع الثلاث معًا لأوقعتُها، كما يُعقَل أن يقول رجلٌ لزوجته: إن شئتِ فطلِّقي نفسك طلقة واحدة، فتقول: طلقتُ نفسي ثلاثًا، وهي تعلم أنه ليس لها إلا واحدة، وإنما قالت ذلك
_________________
(١) البخاري (٥٣٠٨) ومسلم (١٤٩٢).
(٢) البخاري (٥٣٠٩) ومسلم (١٤٩٢/ ٣).
[ ١٧ / ٦٣٩ ]
إظهارًا لشدة رغبتها في أن تبين منه.
وإذ قد ثبت أن الطلاق في عهده - ﵌ - على ما قدمنا من أنه طلاق تحل بعده الرجعة، فإن رجع فله طلاق آخر تحل بعده الرجعة، فإن راجع فله طلاق ثالث لا رجعة بعده، فالظاهر أن عويمرًا كان يعلم ذلك، وعلمه بذلك قرينة على أنه إنما أراد ما ذكرناه، وحاله كحال المرأة التي ملَّكها زوجها طلقةً واحدةً، وهي عارفة بالحكم كما قدمنا.
فإن قيل: فإن كان الظاهر أن من قال في عهده - ﵌ -: "هي طالق ثلاثًا" أو نحو ذلك، إنما يظهر منه أنه قصد إظهار العزم على عدم المراجعة، فلماذا نهى النبي - ﵌ - عن جمع الثلاث؟
قلت: إن صح النهي فسببه مخالفة هذا العزم لمقصود الشارع من الترغيب في المراجعة، وأنه إنما جعل له الرجعة بعد الطلاق الأول والطلاق الثاني، لعله يبدو له فيندم، فالذي يظهر العزم على عدم المراجعة ويؤكده، كأنه يؤكد عزمه على أن لا يفعل الخير، ولا يقبل من الله تعالى رخصته إذا احتاج إليها، وهذا مذمومٌ.
ويقرب منه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
قال أهل التفسير: معناها: لا تحلفوا بالله على أن لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس، ومراجعة الزوجة داخلة في الإصلاح، وقد تكون برًّا وتقوى.
[ ١٧ / ٦٤٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ الآية [النور: ٢٢].
وكما نهاهم عن اليمين مع أنه شرع لهم أن يتخلصوا منها بالكفارة، وإتيان ما هو خير، فكذلك يجوز أن يكون نهاهم عن تأكيد العزم على عدم المراجعة مع تمكنهم من أن يراجعوا بعد ذلك العزم المؤكد.
* * * *
[ ١٧ / ٦٤١ ]