أمر الله جل وعلا أمة الإسلام أن تسعى في جمع الكلمة ووحدة الصف، ولكن هذه الوحدة المنشودة لا بد أن تكون اجتماعًا على الحق والخير، واستمساكًا بشرع الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١).
ومع أن الاجتماع على الحق هو الأصل الذي ينبغي أن يسارع الناس إليه، إلا أن البغي والظلم يصد كثيرًا من الناس عن الاستجابة لهذه الدعوة النبيلة؛ قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ولو شاء الله جل وعلا لشرح صدور الظالمين ووفقهم للدخول في الحق، ولكنه جل وعلا شاء أن يكون إعراض هؤلاء الظالمين سببًا لإقحامهم في نار جهنم إقحامًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
(٢) سورة البقرة، الآية ٢١٣.
(٣) سورة هود، الآيتان ١١٨ - ١١٩.
[ ١٤٤ ]
وهذا الاختلاف كما يكون بين المسلمين والكافرين، يكون بين المسلمين المهتدين والمسلمين الضالين، بين من انقادوا واستسلموا لهدى الإسلام ومن خلطوا بين الحق والباطل والهدى والضلال، وفرقوا دينهم وفارقوا جماعة المسلمين، قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١).
والشيعة طائفة من الطوائف التي خالفت سبيل المؤمنين، وانحرفت عن سواء السبيل، فمزقت الأمة، وفرقتها، وشغلتها، وكانت وبالًا أي وبال.
والخلاف بين السنة وفرق الشيعة المتعددة حقيقة واقعية وتاريخية، لها أثرها في فكر الأمة وثقافتها وتراثها، بل في واقعها الديني والسياسي والاجتماعي.
ولا يمكن تجاوز هذا الخلاف العميق بمجرد سرد عبارات التهوين من أهمية الخلاف، والدعوة لتجاوز الجذور التاريخية، وإقامة جسور التعاون، .. إلى غير ذلك من الشعارات التي تتشدق بها كثير من الكتابات والأطروحات المعاصرة، تلك الأطروحات التي تتجاوز الحقائق الدامغة، والأصول العلمية، بل وتتجاوز ثوابت أهل السنة والجماعة.
إننا ندعو جميع الفرق إلى الالتقاء والاجتماع، ولكن إلى اجتماع يعرف الحق وينكر الباطل، ويدعو للتوبة النصوح من كل الآثام العلمية والعملية.
أما د. علي جمعة فهو يقفز على حقيقة الخلاف مع الشيعة عمومًا، ومع الشيعة الاثني عشرية خصوصًا، ويهون منه، ويفسره بتفسيرات لا ترضي السنة ولا حتى الشيعة، مع أن له كتابات متفرقة تأتي غالبًا في سياق قضايا علمية أخرى تبين جزءًا من الحقيقة؛ ومن
_________________
(١) سورة الروم، الآيتان ٣١ - ٣٢.
[ ١٤٥ ]
الأمثلة التي توضح ما ذكرته عنه ما يلي:
* كتب د. علي جمعة مقالتين في جريدة الأهرام حاول فيهما أن يظهر الشيعة والسنة بمظهر المذهبين القريبين من بعضهما البعض، بطريقة تحرف الكلام عن مدلوله ومضمونه، وتخرجه عن سياقه، وكأننا يمكن أن نتغاضى عن كل انحرافات الشيعة بمجرد كلمة يطلقها د. علي جمعة؛ فيقول: "المسائل التي تتعلق بالرؤية الأساسية بين السنة والشيعة قد تنحصر في خمسة مسائل، اكتنفها كثير من الغموض عبر التاريخ، وولدت محنًا بين الفريقين، وإن كانت هذه المحن في أصلها سياسي، إلا أن هذه الخلافات الخمسة كانت مبررًا عند كثير من الناس بإشعال الفتنة بين الفريقين، وتعميق الهوة بينهما، وهو ما لا نرضاه في حياتنا المعاصرة، حيث اطلع كل فريق على ما يقوله الآخر، ونشأت دعوات التقريب، وتأكدت ونمت وحققت مكاسب كبيرة، ولا يزال أمامنا الكثير من الجهد، حتى يتم القضاء على هذا الاحتقان المفتعل، الذي لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون.
١ - اتهمت الشيعة بالقول بالبداء، وكلمة البداء تعني أن الله ﷾، وجل جلاله، يغير رأيه، وهو ما أنكرته الشيعة تمامًا، وفسرت ما ورد من عبارات حول هذا المصطلح، بما فسر به أهل السنة القضاء المعلق؛ فأهل السنة يقولون: إن القضاء منه مبرم، ومنه معلق، أما الذي هو مبرم فهو علم الله الذي لا يتغير ولا يتبدل، وأما الذي هو معلق، فذلك المسطور في اللوح المحفوظ، والذي يمكن أن يغيره الله ﷾ بسابق علمه وبإرادته المطلقة وقدرته التي لا نهاية لها، وحملوا عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله
[ ١٤٦ ]
وسلم: (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُ) رواه الترمذي، وحديث: (لا يأت ابنَ آدم النذرُ بشيء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدرُ، وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل) أخرجه البخاري.
وعلى ذلك فلا خلاف في الحقيقة، إنما هو خلاف موهوم نتج من سوء الفهم، ومن حمل الألفاظ على غير معانيها الاصطلاحية التي استقرت في أذهان الناس، وهذا ما يعرف بالخلاف اللفظي، وهو ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به.
٢ - القول بتحريف القرآن، ولقد اعتذرت الشيعة عما ورد مما يوهم هذا المعنى القبيح، بأن هذا اللفظ باستعمال القراءات الشاذة التي يذكرها أهل السنة أيضًا في كتبهم، غير معتبرة ولا معتمدة؛ لأنها لم ترد بسند متواتر عن المصطفى ﵌، وأن الشيعة والسنة على السواء، يقولون بحفظ كتاب الله الذي بين أيدينا، والذي لم يختلف عليه المسلمون قط عبر العصور، وهو ذلك الذي بين دفتي المصحف المعروف المشهور، وكل الأمة يقولون بحفظه كما ورد في سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فعاد الخلاف أيضًا إلى اللفظ دون المعنى.
٣ - القول بتكفير الصحابة، ولم نر لأحد من الأئمة المعصومين عند الشيعة كلامًا مخالفًا في الصحابة الكرام، ورأينا أن علماء الشيعة وقادتهم في القرن العشرين ذكروا في كتبهم الترضية على أبي بكر
_________________
(١) سورة الحجر، الآية ٩.
[ ١٤٧ ]
وعمر، وخفت الغلواء بشأن الصحابة الكرام، وعرضت المسألة من ناحية عاطفية لا تستلزم كل هذا العداء الذي قد ملأ قلوب العامة من الطرفين، فيدعي الشيعي أن السيدة فاطمة ﵍وهكذا كان يذكرها الإمام البخاري في صحيحه- كانت قد خاصمت أبا بكر، وغضبت عليه، من أجل أرض فدك بخيبر، في مسألة فقهية تتعلق فيما إذا كان النبي ﵌ قد ترك تركة، أو أن معاشر الأنبياء لا تورث، وهذا هو الجانب العاطفي في المسألة.
٤ - قضية من أحق بالخلافة، سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، فقط، وهو قول الشيعة، أو ترتيب الخلافة كما حدثت: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وهو قول أهل السنة، وكما ترى فإنها مسألة تاريخية، لكنها مثلت ولا تزال تمثل عند الفريقين أساسًا يُبنى عليه غيره، وهي ما تعرف بقضية الإمامة، وهي أنها لا بد فيها من الوصاية، والنص، وهو ما تدعيه الشيعة، أو أنها مسألة تتعلق بالاجتماع البشري، وهي متروكة لاختيار المسلمين عامة بالانتخاب الحر، وهو ما تدعيه السنة.
٥ - التقية، وهي عند الشيعة، وتعريفها السني: أن يتكلم الإنسان بغير ما يعتقد، وعدوا هذا بابًا من أبواب النفاق، أو الكذب، أو الضعف، أو الخداع، أو نحو ذلك من الصفات الذميمة، إلا أن الشيعة أجابوا على هذا بأن تعريفها يكاد يكون حكاية مذهب الخصم، وحكاية مذهب الخصم وإن خالفت معتقد من يتكلم، إلا أنها ليست واحدة من هذه المعاني القبيحة المذكورة التي تتردد بين النفاق والخداع، وإنما هو وضع قد تمليه على الإنسان ظروف
[ ١٤٨ ]
سياسية خاصة في عصور الجور، وتقييد حرية الرأي، فيضطر الإنسان إلى أن يحكي مذهب الغير، وليس إلى الكذب أو نحو ذلك" (١).
هكذا يحاول د. علي جمعة التبرير والتمرير، ولكن هذا الكلام لا ينطلي على من له أدنى اطلاع على حقائق الفرق والمذاهب، فهذا الأزهر يخرج كتابًا يبين فيه موقف الأزهر كمؤسسة من كثير من القضايا، سماه (بيان للناس من الأزهر الشريف) وصدر الكتاب في عهد الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر، وتكلم الكتاب عن فرق الشيعة؛ فقال عن الإمامية الذين هم أغلب الشيعة المعاصرين: (الإمامية، وهم الذين قالوا بإمامة اثني عشر من آل البيت، ويسمون بالاثني عشرية وبالموسوية؛ لأن الأئمة عندهم هم: علي، الحسن، الحسين، وعلي زين العابدين بن الحسين، وكانت الإمامة لابنه الأكبر زيد، فلما رفضوه كما تقدم ولوا بدله أخاه محمدًا الباقر، ثم جعفر الصادق، وكان له ستة أولاد، أكبرهم إسماعيل ثم موسى، ولما مات إسماعيل في بيت أبيه أوصى والده بالإمامة إلى ابنه موسى الكاظم، وبعد وفاة جعفر انقسم الأتباع، فمنهم من استمر على إمامة إسماعيل وهم الإسماعيلية أو السبعية، والباقون اعترفوا بموسى الكاظم، وهم الموسوية. ومن بعده علي الرضا، ثم ابنه محمد الجواد، ثم ابنه علي الهادي، ثم ابنه الحسن العسكري نسبة إلي مدينة العسكر سامرا، وهو الإمام الحادي عشر، ثم ابنه محمد الإمام الثاني عشر، وقد مات ولم يعقب، فوقف تسلسل الأئمة، وكانت وفاته سنة ٢٦٥هـ. ويقول الإمامية: إنه دخل سردابًا في سامرا فلم يمت، وسيرجع بعد ذلك باسم المهدي المنتظر، وهذه الطائفة منتشرة في إيران والعراق وسوريا ولبنان، ومنهم جماعات متفرقة في أنحاء العالم، ولهم كتب ومؤلفات كثيرة من أهمها كتاب الوافي في ثلاثة مجلدات كبيرة، جمعت
_________________
(١) مقالان في جريدة الأهرام بعنوان: السنة والشيعة١، ٢، بتاريخ ٢٧ - ٢ - ٢٠٠٦م، و٦ - ٣ - ٢٠٠٦م.
[ ١٤٩ ]
كثيرًا مما في كتبهم الأخرى، وكتب عليه أحد أهل السنة نقدًا سماه الوشيعة في نقد عقائد الشيعة، وكان ذلك في فبراير سنة ١٩٣٥م، كما كتب رئيس أهل السنة بباكستان محمد عبد الستار التونسي رسالة في ذلك؛ ومن أهم أصولهم:
١ - تكفير الصحابة ولعنهم، وبخاصة أبو بكر وعمر ﵄، إلا عددًا قليلًا كانوا موالين لعلي ﵁، وقد رووا عن الباقر والصادق: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ من ادعى إمامة ليست له، ومن جحد إمامًا من عند الله، ومن زعم أن أبا بكر وعمر لهما نصيب في الإسلام). ويقولون: إن عائشة وحفصة ﵄ كافرتان مخلدتان، مؤولين عليهما قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ (١).
٢ - ادعاء أن القرآن الموجود في المصاحف الآن ناقص؛ لأن منافقي الصحابة -هكذا- حذفوا منه ما يخص عليًا وذريته، وأن القرآن الذي نزل به جبريل على محمد سبعة آلاف آية، والموجود الآن ٦٢٦٣، والباقي مخزون عند آل البيت فيما جمعه علي، والقائم على أمر آل البيت يخرج المصحف الذي كتبه علي، وهو غائب بغيبة الإمام.
٣ - رفض كل رواية تأتي عن غير أئمتهم، فهم عندهم معصومون، بل قال بعضهم: إن عصمتهم أثبت من عصمة الأنبياء.
٤ - التقية: وهي إظهار خلاف العقيدة الباطنة؛ لدفع السوء عنهم.
٥ - الجهاد غير مشروع الآن، وذلك لغيبة الإمام، والجهاد مع غيره حرام، ولا يطاع، ولا شهيد في حرب إلا من كان من الشيعة، حتى لو مات على فراشه.
وهناك تفريعات كثيرة على هذه الأصول؛ منها: عدم حفظ القرآن، انتظارًا لمصحف الإمام،
_________________
(١) سورة التحريم، الآية ١٠.
[ ١٥٠ ]
وقولهم بالبداء، بمعنى أن الله يبدو له شيء لم يكن يعلمه من قبل ويتأسف على ما فعل، والجمعة معطلة في كثير من مساجدهم، وذلك لغيبة الإمام، ويبيحون تصوير سيدنا محمد وسيدنا علي، وصورهما تباع أمام المشاهد والأضرحة، ويدينون بلعن أبي بكر وعمر) (١).
* بل إن د. علي جمعة يعلم كثيرًا من أحوال الشيعة؛ فلقد سُئل عن اتهام المتصوفة بأنهم شيعة، فنفى ذلك جملة وتفصيلًا وبرأ التصوف من الانتساب للشيعة الذين يخالفون أصول وعقائد السنة جملة وتفصيلًا على حسب تعبيره!!!؛ وقال: "الشيعة الإمامية وهم أغلب الشيعة، فرقة من المسلمين، إلا أنها أخطأت حينما خالفت المسلمين في تقديم علي بن أبي طالب ﵁ على سائر الصحابة الكرام، والطعن على خلافة من سبقه، بل والنيل من أغلب الصحابة، والوقوع في سبهم ولعنهم، فهذه طامات كبرى أوغرت قلوب أهل السنة والجماعة.
إلا أنهم لا يَكفرون بهذه المخالفات غير المقبولة؛ لأن المسلم لا يكفر بسب المسلم ولعنه، وإن كان من وقعوا فيهم بالسب واللعن هم خير المسلمين على الإطلاق بعد النبي ﷺ، إلا أنهم متأولون، بل ولا يرونهم صحابة أصلًا، ولذا فإن الشيعة الإمامية وهم الكثرة الغالبة من الشيعة في زمننا هذا من المسلمين، مع مخالفتهم لمنهج أهل السنة والجماعة في باب الصحابة ﵃.
ولم يقتصر الخلاف بين أهل السنة والجماعة والشيعة على باب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولكن هناك أمور أخرى تمثل أسس الخلاف بين أهل السنة والجماعة.
والشيعة فرق أخرى متعددة؛ منها ما تطرف في التشيع حتى خرج عن ربقة
_________________
(١) كتاب بيان للناس من الأزهر الشريف، ج٢، ص١٢ - ١٣، ط جامعة الأزهر.
[ ١٥١ ]
الإسلام بمزاعم مُكَفِّرة ومعتقدات باطلة، فمنها فرقة تزعم أن الإله قد حلَّ في علي وأولاده، وأنه قد ظهر بصورتهم، ونطق بألسنتهم، وعمل بأيديهم، ومن هذه الفرق التي ضلت الإسماعيلية والبهرة والدروز.
ومن عقائد بعض فرق الشيعة الغلاة القول بتحريف القرآن، وتكفير الصحابة، وعدم أحقيَّة خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
ويرى متبعو الشيعة أن الإمامة منصوص عليها ومحددة من قبل الله، بينما يرى أهل السنة أن الإمامة لم يتم تحديدها من قبل الله، والإمامة فضل من الله يتفضل به على من يشاء من عباده، وليست خاصة لأحد ، بهذا تبين لنا أن أصول الشيعة وعقائدهم تخالف أصول الصوفية السنيين جملة وتفصيلًا" (١).
وتكلم د. علي جمعة عن صحفي طعن في أبي هريرة ﵁ والبخاري ﵀ فقال: "المتكلم في الصحابة فاسق مردود الشهادة، وكذلك المتكلم في البخاري؛ لأنه يتكلم في دين الله بغير علم، ولأن من يطعن في أئمة نقلة الحديث من الصحابة ومن بعدهم فكأنما يريد أن تنحصر الشريعة في العصر الأول دون الاسترسال في سائر العصور، وهو مسبوق بمن سلك هذا الطريق فكان أن آل إلى مزبلة التاريخ، ومن كان كذلك فحقه التعزير" (٢) إذا كان هذا حكم د. علي جمعة فيمن طعن في صحابي، فما حكم الشيعة الاثني عشرية؟ وهم يطعنون في
_________________
(١) كتاب البيان لما يشغل الأذهان فتاوى شافية في قضايا عاجلة، ص٣٠٤ - ٣٠٨.
(٢) كتاب البيان لما يشغل الأذهان فتاوى شافية في قضايا عاجلة، ص١١٠.
[ ١٥٢ ]
جل الصحابة باعتراف د. علي جمعة حيث يقول: "أهل السنة بالنسبة لباقي التيارات والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة، وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين ينكرون الصحابة إلا عليًّا" (١)، وقال: "قال الخطيب البغدادي: تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، وأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير مقبولة" (٢).
وبعد كل هذا يصر د. علي جمعة على عادته في الجمع بين المتناقضات ورمي مخالفيه بأنواع التهم؛ فيقدح فيمن ينفر من الشيعة بقوله: "نحن نعتقد أن الشيعة جزء من أمة الإسلام لا ينفصل عنها، ولا يُنفر منها، وإن ظهر غير ذلك فبسبب سوء فهم بعض الجهلة وغير المتخصصين المتعصبين" (٣)!!!.
_________________
(١) كتاب البيان لما يشغل الأذهان فتاوى شافية في قضايا عاجلة، ص١٨٩.
(٢) كتاب البيان لما يشغل الأذهان فتاوى شافية في قضايا عاجلة، ص ١٥٩.
(٣) كتاب البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل، ص ٨٠.
[ ١٥٣ ]