وسيأتي بيان ذلك بتفصيل إن شاء الله.
وأما الثاني من أنواع الصيام: فهو المستحبُّ أو المندوب، وهو صوم التطوُّع (أي ما وردت النصوص باستحباب التطوُّع به)، وهذا النوع مختصٌّ بغير أيام رمضان، وهو جمٌّ غفير - ولله الحمد - لكل راغبٍ في الاستزادة من الثواب الجزيل؛ ومن ذلك:
١- صوم يوم وإفطار يوم، وهو صيام نبيِّ الله داودَ ﵇، وهو أفضل الصيام بعد الفرض. قال النبيُّ ﷺ، لعبد الله بن عمرو ﵄: «صُم يومًا، وأفطر يومًا، وذلك صيام داود (﵇)، وهو أعدل الصيام» (٤٤) .
٢- صوم ثلاثة أيام البِيض من كل شهر قمري. (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) .
قال أبو هريرة ﵁: أوصاني خليلي بثلاثٍ: «صيامِ ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام» (٤٥) .
_________________
(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب: الصوم، باب: صوم الدهر، برقم (١٩٧٦) . ومسلم، واللفظ له، كتاب الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، برقم (١١٥٩) . و(أَعْدَل)، أي: (أَفْضَل) كما في مرويِّ البخاريِّ ﵀.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، برقم (١٩٨١) . ومسلم؛ كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب صلاة الضحى، برقم (٧٢١) .
[ ٤٣ ]
وقد أوصى رسولُ الله ﷺ أبا الدرداء ﵁ بمثله، حيث أخبر ﵁ بالوصية قائلًا: (أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثٍ لا أَدَعَهن ما عشتُ؛ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضحى، وبأن لا أنام حتى أُوتر) (٤٦) .
٣- صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. والاثنين صيامُه آكد من الخميس.
سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يومٌ وُلِدت فيه، ويومٌ بُعِثت -أو أُنزِل عليّ- فيه» (٤٧) .
وسئل حِبُّ رسول الله ﷺ وابنُ حِبِّه أسامةُ بن زيدٍ ﵄: لِمَ تصوم يوم الاثنين والخميس، وأنت شيخ كبير؟! فقال: إن نبيَّ الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس، وسئل عن ذلك، فقال ﷺ: «إن أعمال العباد تُعرَض يوم الاثنين ويوم الخميس» (٤٨)، «فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم» (٤٩) .
_________________
(١) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (٧٢٢)، عن أبي الدرداء ﵁.
(٢) أخرجه مسلم؛ كتاب: الصيام، باب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، برقم (١١٦٢)، عن أبي قتادة الأنصاري ﵁. قال مسلم ﵀ عقب روايته الحديث: وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتْنا عن ذكر الخميس لما نُراه وهمًا.
(٣) أخرجه أبو داود؛ كتاب الصيام، باب في صوم الاثنين والخميس، برقم (٢٤٣٦)، عن أسامةَ ابنِ زيدٍ ﵄.
(٤) جزء من حديث أخرجه الترمذي؛ كتاب: أبواب الصوم، باب: في صوم الاثنين والخميس، برقم (٧٤٧)، وقال الترمذي: حديث أبي هريرة في هذا الباب حديث حسن غريب.
[ ٤٤ ]
٤- الإكثار من الصيام في شهر شعبان.
قالت السيدة عائشة ﵂ تصف صيام النبيِّ ﷺ: «وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان» (٥٠) .
٥- صيام ستة أيام من شوال، متتابعة - وهو الأفضل- أو مُفرَّقة.
قال النبيُّ ﷺ: «من صام رمضان، ثم أَتْبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر» (٥١) .
٦- صيام تسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة، وآكدها استحبابًا التاسع منه (يوم عرفة) . فصيامه: كفارة لسنتين - سابقة وقابلة - من الصغائر، أو تخفيف من الكبائر، أو فيه رفع لدرجات المؤمن. قال رسول الله ﷺ: «صيام يوم عرفةَ، أحتسب على الله تعالى أن يُكفِّر السنةَ التي قبله، والسنةَ التي بعده» (٥٢) .
٧- الصيام في شهر الله المُحرَّم، وهو أفضل الصيام بعد رمضان، وأفضل أيام صومه: العاشر منه
_________________
(١) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: صوم شعبان، برقم (١٩٦٩) . ومسلم - بلفظه - كتاب الصيام، باب: صيام النبيِّ ﷺ في غير رمضان، برقم (١١٥٤) .
(٢) أخرجه مسلم؛ كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتْباعًا لرمضان، برقم (١١٦٤)، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(٣) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة، برقم (١١٦٢)، عن أبي قتادة ﵁.
[ ٤٥ ]
(عاشوراء)، ثم يليه في الفضل التاسع (تاسوعاء)، ويُسنُّ الجمعُ بينهما.
سئل رسول الله ﷺ: أيُّ الصيام أفضل بعد شهر رمضان، فقال ﷺ: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيامُ شهر الله المُحرَّم» (٥٣) .
وقَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراءَ، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومٌ نجّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. قال ﷺ: فأنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه (٥٤) .
وقال ﵊ - مخالفةً لليهود -: «فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع. قال عبد الله بن عباس ﵄: فلم يأتِ العام المقبل، حتى توفيَ رسولُ الله ﷺ» (٥٥) .
وهنا أشير - تذكرةً - إلى ما مرَّ من أن صوم عاشوراء كان واجبًا أول الإسلام ثم نُسِخ وجوبُه
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب الصيام، باب: فضل صوم المحرّم، برقم (١١٦٣)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، برقم (٢٠٠٤) . ومسلم بمعناه، كتاب: الصيام، باب: صوم عاشوراء، برقم (١١٣٠) .
(٣) تقدَّم تخريجه بالهامش ذي الرقم (٢٣) .
[ ٤٦ ]
عند فرض رمضان، وبقي صيامه على الاستحباب مستقرًا.
٨- صوم سُرَر (خواتيم) كل شهر قمري، واستحباب ألاّ يُخلي شهرًا عن صوم آخره، ولو كان شهر شعبان إلا يوم الشك، وهو الثلاثين منه، إذا تحدث الناس برؤية هلال رمضان.
قال رسول الله ﷺ: «يا أبا فلان، أما صمت سرر هذا الشهر؟» (٥٦) .
٩- صيام يومٍ أو أكثرَ في الجهاد في سبيل الله تعالى: قال النبيُّ ﷺ: «ما مِن عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهَه عن النار سبعينَ خريفًا» (٥٧) .
أخي - القارئ الحبيب - هذا ما أحببت استقصاءه مما سُنَّ صيامُه، راجيًا لك التوفيق للإكثار منه.
_________________
(١) متفق عليه من حديث عِمْران بن حُصين ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: الصوم آخر الشهر، برقم (١٩٨٣) . قال أبو عبد الله - أي البخاري ﵀ - عقب ذكره الراوية: وقال ثابت، عن مُطرِّف، عن عمران، عن النبيِّ ﷺ: «مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ» . اهـ. وأخرجه مسلم بمعناه؛ كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، برقم (١١٦١) .
(٢) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخُدري ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب الجهاد والسير، باب: فضل الصوم في سبيل الله، برقم (٢٨٤٠) . ومسلم - بلفظه - كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام في سبيل الله، برقم (١١٥٣) .
[ ٤٧ ]