المقصود بهذه الشروط: الأمور التي يلزم عند وجودها الصومُ، فتتعلق ذمّة المكلَّف بهذا الواجب،
[ ٦٩ ]
فإن عُدِم أحدُها لم يكن الصوم عندئذٍ واجبًا، وهي خمسة:
أ- الإسلام، فلا يجب الصوم على كافر، فإن أسلم أثناء شهر رمضان، صام ما يستقبل من بقية شهره، ولا يقضي، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، ولقوله ﷺ: «أما علمتَ - يا عمرو - أن الإسلام يَهْدِم ما كان قبله» (٩٥) . ولقوله ﵊: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (٩٦) . فلو أسلم الكافر في أثناء نهار الصوم، لزمه إمساك بقية يومه - تعظيمًا لحرمة نهار رمضان - كما يلزمه القضاء، لكونه قد أدرك جزءًا من وقت العبادة، حال كونه مسلمًا.
ب - العقل:
من المقرر - أصولًا - أن خطاب التكليف لا يتوجه لغير عاقل، وذلك لعدم أهليته للعبادة، فلا
_________________
(١) أخرجه مسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله، برقم (١٢١)، عن عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٤/١٩٩)، من حديث عمرو بن العاص ﵁، بلفظ: «يَا عَمْرو بَايَعْ، فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَه» . كما أخرجه في بقية حديث عمرو (٤/٢٠٤) بزيادة في آخره: «مِنَ الذُّنُوب» .
[ ٧٠ ]
يجب الصوم على مجنون، أو مغمى عليه، قال ﷺ: «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٩٧) .
مسألة:
من زال عقلُه بسُكْرٍ بشراب أو غيره، فهل يجب عليه الصوم؟ ثم لو أفطر، هل يقضي؟
- السكران هو عاقل في الأصل، وهو مخاطب بالتكليف قبل زوال عقله، لذا فإن وجوب الصوم يبقى متعلقًا بذمته، والحال أنه قد تسبَّب عمدًا بزوال عقله، فيأثم بذلك، كما يأثم بفطره، ويلزمه القضاء بعد الإفاقة من زوال عقله، والله أعلم.
ج - البلوغ:
وقد اعتُبِر شرطَ وجوبٍ لأن الغرض من التكليف هو الطاعة والامتثال، ولا يكون ذلك إلا بإدراك معنى
_________________
(١) أخرجه النسائي، كتاب: الطلاق، باب: من لا يقع طلاقه من الأزواج، برقم (٣٤٦٢)، عن عائشة ﵂. والحديث في مسند أحمد (٦/١٠١)، من حديث السيدة عائشة، كذلك عنده (١/١١٨) من حديث علي ﵁. وعند الحاكم - وصححه وأقره الذهبي - (١/٢٥٩)، من حديث علي ﵁، والمختار في المتن لفظه.
[ ٧١ ]
التكليف والقدرة على القيام به، والطفل في واقع حاله عاجز عن الإدراك والقدرة، فلم يكن ذلك الصومُ واجبًا على الصبي حتى يحتلم، ولا على الفتاة حتى تحيض.
مسألة:
هل يؤمر الصبي المميِّز أو الفتاة المميِّزة [عند سن السابعة]، هل يؤمران بالصيام؟ وهل يصح منهما صوم؟
- إذا أطاق هؤلاء الصيامَ، أَمَرَهم وليُّهم به، وذلك ليعتادوا عليه، ويصح منهم الصوم، كما تصح الصلاة، إلا أن الصوم فيه مشقة عليهما، فاعتُبِرت له الطاقة ولم تُعتبَر في الأمر بالصلاة لإمكان القيام بها من غير مشقة.
د - العلم بوجوب الصيام على المُكلَّف.
إذا علم المسلم المكلّف - العاقل البالغ - بوجوب الصيام، وكان شاهدًا الشهر الكريم، وجب عليه
[ ٧٢ ]
الصوم، والحال أن ذلك معلوم بالضرورة لكل من نشأ في دار الإسلام، ولا يُعذر المسلم بجهله بهذا، كما لا يُظن بمسلم الجهل بوجوب صيام رمضان عند شهوده.
مسألة:
من أسلم في دار الحرب (بلاد الكفار)، فكيف يحصل له العلم المُوجِب للصيام؟
اشترط الفقهاء - جزاهم الله خيرًا - لمن أسلم في دار الحرب، كي يحصل له العلم المُوجِب للصيام، أن يتم إخباره بدخول الشهر بطريق معتبرة شرعًا، وذلك بإخبار رجل عدل أو رجلين عدلين أو رجلٍ مستور الحال، وامرأتين مستورتَيْ الحال، والواقع أن الإعلام بدخول الشهر لم يعد أمرًا خافيًا على أحد في عصرنا، وذلك لتوافر آلات الاتصال المستحدَثة، حيث يتواتر العلم بذلك حال ثبوته، فيكون ذلك كافيًا لحصول العلم الموُجِب، والله أعلم.
[ ٧٣ ]