منها: الأول: عن أنس بن مالك - ﵁ - وقد سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغه من القراءة- قال: "لا، بل عند فراغه من القراءة". [رواه البخاري (٥/ ٤٢) عن عبدالعزيز بن صهيب عنه].
الثاني: عن عاصم الأحول قال:
"سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة: فقال: نعم؛ فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كذب، إنما قنت النبي - ﷺ - بعد الركوع شهرًا ".
[أخرجه البخاري (١ - ٢٥٦) واللفظ له، ومسلم رقم (٦٧٣) (١ - ٤٦٩) وغيرهما].
فهذه الرواية تبين أنه - ﷺ - كان يقنت قبل الركوع وبعده، وأن أنسًا - ﵁ - كان يذكر هذا تارة، وهذا تارة.
وقوله: كذب أي: أخطأ.
[ ٨٥ ]
وزعم بعضهم أن رواية عاصم الأحول شاذة؛ لمخالفتها للروايات الأخرى من أنهم ذكروا: أن القنوت بعد الركوع، وعاصم يروي قبل الركوع، وهم أكثر عددًا.
قلت: هذا صحيح، لو كانت الحادثة واحدة ولا يمكن التوفيق بينهما، ومسألتنا ليست كذلك، فإنها أكثر من رواية، وأكثر من حادثة.
وليس في هذا دليل على أن أنسًا - ﵁ - ينكر القنوت بعد الركوع، بدليل رواياته الأخرى، وإنما ينكر لو أنه قال: إن القنوت بعد الركوع دائمًا.
ويوضح هذا ما أخرجه ابن ماجة (٢/ ١١٤٨) عن أنس - ﵁ -: أنه سئل عن القنوت فقال: "قبل الركوع وبعده".
قال الحافظ في الفتح (٢ - ٥٦٩): "إسناده قوي".
وقد وجّه شيخنا العلامة الألباني -﵀- حديث أنس - ﵁ - في نفيه للقنوت بعد الركوع توجيهًا آخر: أنه أراد قنوت الوتر، لا قنوت النازلة؛ وهو توجيه وجيه (١)، بدليل أن أنسًا
_________________
(١) الإرواء (٢ - ١٦٨).
[ ٨٦ ]
ذكر عقب إنكاره: أن النبي - ﷺ - قنت بعد الركوع، فكيف ينكر ثم يثبت؟ ! إلا أن يُقال: إن إنكاره القنوت بعد الركوع، كان لقنوت الوتر، وإثباته بعد الركوع كان لقنوت النازلة، والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر من طرق (٧٠١٨ - ٧٠٢١ - ٧٠٢٢) بعضها صحيح، أنه قنت قبل الركوع في الفجر.
وأخرج عن ابن عباس من طريقين (٧٠١٣، ٧٠١٥)، أنه قنت في الصبح قبل الركوع.
وثمت آثار رواها ابن أبي شيبة، بدءًا من رقم (٧٠١٢) والطحاوي (١ - ١٤٧) فليراجعها من شاء.
قال البيهقي (٢ - ٢٠٨): "ورواة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ فهو أولى".
وكذا قال غير واحد من المحققين.
قلت: والقنوت قبل الركوع وبعده مذهب جمهور أهل العلم.
والأمر فيه سعة، والله أعلم.
[ ٨٧ ]
مسألة رقم (٤):