المتتبع للسنة يجد أن أكثر الروايات على أنه - ﷺ - كان يقنت عند الحاجة والنازلة في الفجر، أو كان يقنت في جميع الصلوات ثم يتركه إلاّ في الفجر، وفي هذا أحاديث وآثار كثيرة نذكر منها:
الأول: عن أنس - ﵁ - قال: -فذكر حديث القراء الذين قتلوا في بئر معونة ثم قال-:
"فدعا النبي - ﷺ -؟ شهرًا في صلاة الغداة ".
[أخرجه البخاري (٢/ ٤٠٨) ومسلم (٦٧٧) في المساجد، وأبو داود (١٤٤٤ - ١٤٤٥) في الصلاة، والنسائي (٢/ ٢٠٠) وغيرهم].
[ ٧٩ ]
الثاني: عن عبد الله بن عمر - ﵃ -:
"أنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر " الحديث.
[أخرجه البخاري (٨/ ١٧٠) والنسائي (٢ - ٢٠٣) والترمذي (٣٠٠٧) وغيرهم].
الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - قال:
"كان رسول الله - ﷺ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة " ثم ذكر قنوته ودعاءه للمستضعفين في مكة.
[أخرجه البخاري (٨١٧٠) ومسلم (٦٧٥) واللفظ له].
هذا وقد تنوعت أقوال العلماء في تعيين الصلاة التي يقنت فيها، ولا شك أن من أسباب هذا الاختلاف التقليد، وعدم الرجوع إلى النصوص.
فمنهم من قال:
إنه منسوخ في الصلوات كلها، قلت: وهذا أبعد المذاهب عن الصواب، وقد تم الرد على هذا القول.
وقال آخرون: يقنت في المغرب والفجر.
وذهب آخرون: إلى أنه منسوخ إلا في صلاة الفجر فقط.
[ ٨٠ ]
والصواب الذي لا يرتاب فيه مطلع على هذه النصوص:
أن المسألة لا ناسخ فيها، ولا منسوخ، وغاية ما في الأمر: أنه يشرع في الصلوات كلها، وفي بعضها دون بعض.
قال ابن حبان -عند حديث أبي هريرة - ﵁ - (١٩٨٣):
"فإذا كان بعض ما وصفنا موجودًا، قنت المرء في صلاة واحدة، أو الصلوات كلها، أو بعضها دون بعض".
وبوب النووي لأحاديث القنوت في صحيح مسلم من كتاب المساجد (باب رقم ٥٤) فقال:
"باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة".
وكذا قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢) والشوكاني في النيل (٢ - ٣٤٦) وغيرهم من المحققين المستقلين المنصفين.
وأغرب ابن قدامة في المغني (١/ ٧٨٨) من الشرح فقال:
"ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة، وقيل يقنت في الجهر كلها قياسًا على الفجر، ولا يصح هذا؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا أحد من أصحابه القنوت في غير الفجر والوتر"! .
[ ٨١ ]
قلت: لا أدري أيهما أغرب، الذي قاس؟ ! أم الذي نفى؟ ! مع شهرة الأحاديث في ذلك، وهي في الصحيحين وغيرهما من أن النبي - ﷺ - قنت في الظهر والمغرب والعشاء، وفي غير الصحيحين قنت في الصلوات كلها، وقد سبق ذكرها.
وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة، على عدم جدوى الاعتماد على كتب الفقه دون الرجوع إلى كتب السنة وعلمائها، فكن من ذلك على ذكر.
[ ٨٢ ]
مسألة رقم (٣):