قد ثبت أن النبي - ﷺ - قنت أكثر من مرة.
الأول: قنوته عقب أحُد، وفيه أحاديث منها:
عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد، وشج وجهه، حتى سال الدم على وجهه، وقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله».
[أخرجه مسلم (١٧٩١) والترمذي (٣٠٠٣) وأحمد (٣/ ٩٩) وغيرهم].
الثاني: قنوته للعن أعيان من قريش، وفي ذلك أحاديث منها:
عن سالم عن أبيه -ابن عمر-: كان رسول الله - ﷺ - يدعو على صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
[أخرجه البخاري (٨ - ٢٢٦ فتح) والترمذي (٣٠٠٤) وأحمد (٢ - ٩٣)].
الثالث والرابع: دعاؤه للمستضعفين بمكة، ودعاؤه على مضر، وفي ذلك أحاديث منها:
[ ٧٠ ]
حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: إن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: «اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف».
[أخرجه البخاري (٢/ ٤٥٦٠) ومسلم (٦٧٥) وأبو داود (١٤٤٢) والنسائي (١٠٧٣) وغيرهم].
وهذان قنوتان، وإن كان ظاهر الرواية أنه قنوت واحد.
فالأول: قنوته للمستضعفين بمكة.
والثاني: قنوته على مضر، وقد ساق أبو هريرة القنوتين، في حديث واحد، للدلالة على أن رسول الله - ﷺ - كان في قنوته يدعو للمسلمين، أو يدعو على الكافرين، ويستفاد ذلك من قوله: (فلربما) قد ساقها مساق التمثيل.
ثم لا يمكن أن يكون دعاؤه للمستضعفين، ودعاؤه على مضر في قنوت واحد، لتفاوت الزمنين، فدعاؤه للمستضعفين كان قبيل عمرة القضاء، كما أفاده أصحاب السير، وقد ثبت في الأحاديث السابقة: أن النبي - ﷺ - توقف عن الدعاء لهم لما
[ ٧١ ]
رجعوا، وقد رجعوا في عمرة القضاء، وكانت في ذي القعدة سنة سبع للهجرة.
دلائل النبوة للبيهقي (٤ - ١٧٦) أسد الغابة (٥ - ٩٢) والإصابة في ترجمة الوليد بن الوليد.
وأدق من ذلك ما ذكره الحافظ في الفتح (٨ - ٢٢٧) وعزاه لـ (فوائد الزيادات) وسكت عنه من حديث جابر قال: "رفع رسول الله - ﷺ - رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال: «اللهم أنج الوليد بن الوليد » وفيه: "فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: «أو ما علمت أنهم قدموا ».
وهذه الرواية تؤكد أن دعاءه للمستضعفين كان مستقلًا عن دعائه على مضر.
ولم يتبين لي متى دعا على مضر.
وفي رواية أخري للبخاري (٤٥٦٠) جمع فيها الدعاء للمستضعفين والدعاء على مضر، والدعاء على رِعل وذكوان وعصية، في رواية واحدة، ومن المعلوم أن بينهما سنين.
[ ٧٢ ]
الخامس: قنوته - ﷺ - على قاتلي القراء في حادثة بئر معونة، وفي ذلك أحاديث منها:
عن أنس - ﵁ - قال: "بعث النبي سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان عن بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي - ﷺ - فقتلوهم، فدعا النبي - ﷺ - شهرًا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت".
[أخرجه البخاري (٣٨٦٠) ومسلم (٦٧٧) وغيرهم].
قول أنس: "وذلك بدء القنوت " وذلك حسب علمه، وكان ذلك في صفر من سنة أربع للهجرة.
كما أفاده أصحاب السير [السيرة لابن هشام ٣/ ١٣٧] [تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٥] [البداية والنهاية ٤/ ٧١].
القنوت السادس: قنوته على المنافقين:
عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا
[ ٧٣ ]
ولك الحمد، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
[أخرجه البخاري (٤٥٥٩) والنسائي (١٠٧٨) وأحمد (٦٣٤٩)].
وزادا: "يدعو على أناس من المنافقين".
قال الشوكاني في (النيل ٢/ ٤٠٣): "وبهذه الرواية يعلم أن هؤلاء الذين لعنهم رسول الله - ﷺ - غير قتلة القراء".
ويعارضها ما أخرجه البخاري (٤٠٧٠) مرسلًا، وأحمد (٢/ ٩٣)، والترمذي (٣٠٠٤) كلاهما موصولًا.
عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - ﷺ - يدعو على صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمير، والحارث بن هشام، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
واستغرب الترمذي سنده، ونقل عن البخاري عدم معرفته من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري.
وفي هذا إشارة إلي شذوذه، وحديث الزهري هو السابق في ذكر المنافقين.
[ ٧٤ ]
وزيادة النسائي، وأحمد أصح، وقد يمكن -توفيقًا بين الروايتين- ابن عمر روى هذا تارة، وهذا تارة، فإن النبي - ﷺ - دعا على قريش، ودعا على المنافقين، والله أعلم.