مسألة رقم (٦):
صيغة الدعاء
لم يثبت عن النبي - ﷺ - في دعاء قنوت النازلة صيغة ملزمة، وإنما كان - ﷺ - يدعو بما يناسب الحال، وكذلك المسلم يدعو في قنوته بما يناسب حال النازلة، وينبغي أن يكون الدعاء جامعًا، وألا يطيل الإمام فيه، ولا يشقّق، ولا يتكلف السجع، فليس من هديه - ﷺ - ما يفعله كثير من أئمة مساجد زماننا من إطالة الدعاء، وتعمد السجع، والتشقّق فيه.
وإذا كان القانت منفردًا، فليدع ما شاء الله أن يدعو.
وإن للدعاء آدابًا، ينبغي على الداعي الالتزام بها، وله محظورات، ينبغي على الداعي اجتنابها.
والعبرة في الدعاء بصدقه وقوته، وطهارة نفس صاحبه، وشدة إيمانه وإخلاصه، والخوف والرجاء والعبودية لله فيه، وليست العبرة بطول الدعاء، ورفع الصوت فيه، وتكلف السجع والتشقق فيه.
[ ١٠١ ]
وقد مر في هذه الرسالة، ما ورد عنه - ﷺ - من الأدعية في هذا المقام ومنها:
«اللهم نجّ الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» سبق تخريجه.
قال الإمام مالك كما في المدونة (١ - ١٠٠):
"ليس في القنوت دعاء معروف، ولا وقوف مؤقت".
قال النووي في شرح مسلم (٥ - ١٨٣): "والصحيح أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص بل يحصل بكل دعاء".
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٩):
"كما أن النبي - ﷺ - لما قنت أولًا على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت للمستضعفين من أصحابه، دعا بدعاء يناسب مقصوده، فسنة رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس سنة دائمة في الصلاة.
[ ١٠٢ ]
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبًا، بل يدعو في كل قنوت الذي يناسبه.
ويكره تكلف السجع؛ لأنه تكلف وقد نهينا عنه، ولم يكن من هدي النبي - ﷺ - ولا أصحابه.
فقد أخرج البخاري (٧ - ١٥٣) تحت باب: "ما يكره من السجع في الدعاء"
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حدّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثر فثلاث مرات، حتى لا يمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم، فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم، وهم يشهدونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله - ﷺ - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
والسجع: الكلام المقفّى المتشابه المخارج، وليس بشعر.
قال في اللسان مادة (س ج ع):
سجع: تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن.
[ ١٠٣ ]
والنهي المذكور: إنما هو المتكلف منه، وإلا فإن كثيرًا من أدعية النبي - ﷺ - كان مسجوعًا كقوله - ﷺ -:
«اللهم رب الناس مذهب البأس» (الحديث) (١).
«اللهم استر عورتي، وآمن روعتي » (الحديث) (٢).
ولذلك قال الحافظ في الفتح (١١/ ١٣٩):
"أي لا تقصد إليه، أي: إلى السجع، ولا تشغل فكرك به، لما فيه من التكلف، المانع للخشوع المطلوب في الدعاء" وقال ابن التين: "المراد بالنهي المستكره منه" وقال الراوي: "الاستكثار منه".
ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة؛ لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، ولأجل ذلك يجيء في غاية الانسجام، كقوله - ﷺ - في الجهاد: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب » (٣) الحديث" انتهى كلام الحافظ.
_________________
(١) بخاري (١٠ - ١٧٥) وأبو داود (رقم - ٣٨٩٠) وغيرهما.
(٢) أبو داود (رقم - ٥٠٧٤) عن ابن عمر، وعزاه في المجمع (١ - ١٧٥) للبزار، وصححه شيخنا في صحيح الجامع.
(٣) البخاري (٦ - ١٠٩) مسلم (رقم - ٧٤٢) وغيرها.
[ ١٠٤ ]
وخلاصة هذا: أن لا يتكلف الداعي السجع تكلفًا يذهب صدق الدعاء، واللهج به، ويشغله عن قصده، ويصرفه عن مبتغاه.
وأما الإطالة فيه: ففضلًا على أن فيه مخالفة لسنة النبي - ﷺ - فقد كره رسول الله - ﷺ - التشقق في الخطبة، والتشدق في الكلام، وهو التكلف في إخراج الكلام، وانتقاء العبارات؛ ليتفيهق فيه وليتشدق.
فعن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال:
«إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون -أي: المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز- والمتفيقهون، قالوا: يارسول الله! ما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون» حديث صحيح.
أخرجه الترمذي (١ - ٣٦٣) وأخرجه أحمد (٤ - ١٩٣) عن أبي ثعلبة - ﵁ - وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع.
[ ١٠٥ ]
وعن أبي الدرداء - ﵁ - قال:
"خطب رسول الله - ﷺ - خطبة خفيفة فلما فرغ من خطبته قال: يا أبا بكر قم فاخطب، فقصر دون رسول الله - ﷺ - فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر قم فاخطب، فقام فخطب، فقصر دون رسول الله - ﷺ - ودون أبي بكر، فلما فرغ من خطبته قال: يا فلان قم فاخطب، فشقّ القول، فقال رسول الله - ﷺ -: «اسكت واجلس، فإن التشقيق من الشيطان، وإن من البيان لسحرا» وقال: يا ابن أم عبد قم فاخطب، فقال ابن أم عبد: فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن الله ﷿ ربنا، وإن الإسلام ديننا، وإن القرآن إمامنا، وإن البيت قبلتنا، وإن هذا نبينا، وأومأ بيده إلى النبي - ﷺ - رضينا ما رضي الله تعالى لنا ورسوله، وكرهنا ما كره الله تعالى لنا ورسوله، فقال النبي - ﷺ -:
«أصاب ابن أم عبد، أصاب ابن أم عبد، وصدق، رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد».
[ ١٠٦ ]
أخرجه الحاكم (٣ - ٢١٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وشيخنا الألباني، وأخرجه البزار في مسنده (١/ ٣٠٣) وابن أبي شيبة (١٤ - ١١٤) كلهم دون سبب الورود، وعزا سبب الورود الهيثمي في المجمع (٩ - ٢٩٠) للطبراني وقال: "ورجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عثمان بن خثيم لم يسمع من أبي الدرداء".
وعن عائشة ﵂ قالت:
"كان رسول الله - ﷺ - يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك".
أخرجه أبو داود (١٤٨٢) وأحمد (٦/ ١٤٨) وغيرهما، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، عن عائشة به.
قلت: وهذا سند صحيح كلاهما ثقة، والأسود من رجال مسلم، وأبو نوفل من رجالهما.
وعنهما ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال لها وهي تصلي: «عليك بالجوامع الكوامل» فما انصرفت سألته عن ذلك، فقال لها - ﷺ -: «قولي: اللهم إني أسألك من الخير
[ ١٠٧ ]
كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم »
أخرجه أحمد (٦/ ١٤٧) واللفظ له، وأخرجه ابن ماجة (٣٨٤٦) وابن حبان (٢٤١٣) والحاكم (١/ ٥٢١) وغيرهم دون قوله - ﷺ -: «عليك بالجوامع الكوامل» من طريق جبر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة - ﵃ - به.
وهذا سند صحيح.
جبر: ثقة.
وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق - ﵃ -، روى عنها جابر - ﵁ -، وهي زوجة طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة فلا يلتفت إلى من جهلها، راجع ترجمتها في التهذيب وفي الطبقات لابن سعد.
ويفسر لنا معنى الجوامع:
ما رواه ابن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: سمعني أبي وأنا أقول:
"اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال لي:
[ ١٠٨ ]
يا بنيّ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر".
[أخرجه أبو داود (١٤٨٠) وغيره، وسنده حسن].
وبهذا يُعلم خطأ كثير من الأئمة، الذين يُفصلّون في دعائهم، ويشقّقون فيه، ويطيلون، وربما يصرخون ويحطحطون، فيُخشى أن تكون هذه الأفعال من الاعتداء في الدعاء، الذي يكون سببًا في تأخر الاستجابة، أو منعها، والله المستعان.
قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
ثم إن في الإطالة والتشقيق مفاسد غير ما ذكرنا.
منها: إدخال الملل والمشقة على كثير من المأمومين، ولقد شكا كثير منهم ذلك.
ومنها: أن يسقط الداعي في ألفاظ وأدعية خاطئة، وهناك أمثلة كثيرة ليس هاهنا محل ذكرها.
قال النووي في المجموع (٣ - ٤٩٩):
[ ١٠٩ ]
"قال البغوي: يكره إطالة القنوت".
وإذا كان النبي - ﷺ - نهى عن إطالة الصلاة، وجعل ذلك فتنة، كما في حديث معاذ المشهور حين أطال الصلاة قال له:
«أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف، وذو الحاجة» (١).
فإذا كان هذا في قراءة القرآن، فماذا يكون في الدعاء؟ !
وأما آداب الدعاء ومحظوراته فتراجع في مظانها (٢).
_________________
(١) البخاري ومسلم
(٢) من الكتب الماتعة في الدعاء كتاب (الدعاء) للشيخ حسين العوايشة.
[ ١١٠ ]
مسألة رقم (٧):