من الفرائض على المكلف أن يصل رحمه أي قرابته المؤمنين الصالحين وتكون الصلة بالزيارة كما ذكرنا وببذل المال وبالقول الحسن وبالسؤال عن الحال والصفح عن زلاتهم وبالمعونة لهم عند الحاجة وقيدنا بالمؤمنين لأن الكافرين والفاسقين الراجحة معاصيهم على طاعاتهم لا يُطلب من المسلم لهم إلا بر والديه وأما الصلة وما شابهها مما يستدعي كثرة التردد ومحبة جميع ما عليه
[ ٤٠ ]
الإنسان فلا، ولكن لو وصلهم لكان فضلًا، ويدل على أهمية صلة الرحم ما جاءت به الشريعة من النهي الشديد عن التفاخر بالأنساب؛ لأنها من أعمال الجاهلية، ومعلوم أن تعلم الأنساب والاشتغال بها مظنة للتفاخر بها، لكن هذه المفسدة المظنونة ملغاة؛ لتحقيق مصلحةٍ أعظم وهي صلة الرحم، فأمر النبي -ﷺ- بتعلم النسب لأجل ذلك وقال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"، وفي روايةٍ: "اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحمٍ إذا قطعت وإن كانت قريبةً، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدةً". رواه الحاكم وصححه.
وقال عمر بن الخطاب -﵁- على المنبر: "تعلموا أنسابكم ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه". وقد قال علي -﵁-: "عشيرتك هم جناحك الذي بهم تحلق، وأصلك الذي به تتعلق، ويدك التي بها تصول، ولسانك الذي به تقول، هم العدة عند الشدة، أكرم كريمهم، وعُد سقيمهم، ويسر على معسرهم، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك".
وإليك هذه القصة التي تنضح نبلًا وشرفًا:
حُكي عن بنت عبد الله بن مطيع أنها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف –وكان أجود قريش في زمانه- قالت: يا طلحة: ما رأيت قومًا ألأمَ من إخوانك!! قال: ولمَ ذاك؟! قالت: أراهم إذا أيسرتَ وكثر مالك زاروك ولزموك، وإذا أعسرت تركوك؟! قال: "هذا والله من كرمهم؛ يأتوننا في حال القوة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا عنهم".
فانظر كيف تأوَّل بكرمه هذا التأويل، وفسر بنبيل أخلاقه هذا التفسير، حتى جعل قبيح فعلهم حسنًا، وظاهر غدرهم وفاءً، وهذا محض الكرم ولباب الفضل، وبمثل هذا يلزم ذوي الفضل أن يتأولوا الهفوات ويمحوا الزلات من إخوانهم وأرحامهم وأصهارهم، إنه تغافل مع فطنة، وتآلف صادر عن وفاء، وعلاقات الرحم ووشائج القربى لا تستقيم ولا تتوثق إلا بالتغافل، فمن شدد نفَّر، ومن تغاضى تآلف، والشرف في التغافل، وسيد قومه المتغابي.
أخي القارىء الكريم اعلم أنّ ذوي الرّحِم غيرُ معصومين، يتعرّضون للزّلَل، ويقَعون في الخَلل، وتصدُر منهم الهَفوة، ويقَعون في الكبيرة، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم، فإنَّ العفوَ من شِيَم المحسنين، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا، وقابِل إساءَتهم بالإحسان، واقبل عُذرَهم إذا أخطؤوا، لقد فعل إخوة يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم وصفَح عنهم الصفحَ الجميل، ولم يوبِّخهم، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم، قال: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ) يوسف:٩٢.
غُضَّ عن الهفواتِ، واعفُ عن الزّلاّت، وأقِلِ العثرات، تجنِ الودَّ والإخاء واللينَ والصفاء، وتتحقَّق فيك الشهامةُ والوفاء. داوِم على صِلة الرّحم ولو قطعوا، وبادِر بالمغفرة وإن أخطؤوا، وأحسِن إليهم وإن أساؤوا، ودَع عنك محاسبةَ الأقربين، ولا تجعَل عِتابَك لهم في قطعِ رحمِك منهم، وكُن جوادَ النّفس كريمَ العطاء، وجانب الشحَّ فإنّه من أسباب القطيعة، قال ﵊: «إيّاكم والشّحَّ؛ فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبُخل فبخلوا، وأمرهم بالظّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعةِ فقطعوا» متفق عليه.
إنّ مقابلةَ الإحسانِ بالإحسان مكافأةٌ ومجازاة، ولكن الواصلَ من يَتفضَّل على صاحبِه، ولا يُتَفضّل عليه، قال ﵊: «ليسَ الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصلَ مَن إذا قطعَت رحمُه وصَلها» رواه البخاري. قيل لعبد الله بن مُحَيريز: ما حقّ الرّحم؟ قال: "تُستَقبَل إذا أقبَلت، وتُتْبَع إذا أدبَرت"، وجاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، إنّ لي قرابةً أصِلهم
[ ٤١ ]
ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهَلون عليّ، فقال ﵊: «لئن كان كما تقول فكأنّما تسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمتَ على ذلك» رواه مسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي بخصالٍ من الخير: (أوصاني أن لا أنظرَ إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحبّ المساكين والدُنُوِّ منهم، وأوصاني أن أصِلَ رحمي وإن أدبرت، وأوصاني لا أخاف في الله لومة لائم) رواه الإمام أحمد وابن حبان.
واصبر واحتسب، وكما قيل:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وبين بني عمي لمختلفُ جدًّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدًا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
وإن هم هووا غيِّي هويت لهم رشدًا
وليسوا إلى نصري سراعًا وإن هم
دعوني إلى نصر أتيتهم شدًّا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى
وإن قل مالي لم أكلفهم رفدًا
وإني لعبد الضيف ما دام نازلًا
وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
ومن أشهر قصص صلة الرحم ما كان من أمر صديق الأمة أبي بكر -﵁- مع أحد قرابته وهو مسطح بن أثاثة الذي كان فقيرًا، فكان أبو بكر ينفق عليه، ولكن مسطحًا تكلم في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر -﵂- في قصة الإفك، فماذا كان من أبي بكر نحوه؟! أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك أنها قالت: "فأنزل الله ﷿: (إِنّ الّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
) عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿- هَؤُلاَءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَىَ مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الّذِي قَال لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الآية: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، إِنّي لأُحِبّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النّفَقَةَ الّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا".
هذا هو صنيع أصحاب رسول الله مع رحمهم، وهذا دأبهم، واصلون لرحمهم حتى إن أساؤوا إليهم إساءة بهذه الدرجة فالله المستعان.
والصلة بالزيارة إنما تكون ممن قرب من محل أرحامه وأما بعيد المحل فتكون زيارته بمهاتفته، دل على فرضية صلة الأرحام الكتاب والسنة والإجماع، ومن تركها يكون عاصيًا، ويستحب صلة الرحم وصلك أو قطعك فإنه قد قيل ليس الواصل من يصل من وصله وإنما الواصل من يصل من قطعه لأن مواصل المواصل بائع ومشتر، ويُستثنى من ذلك من يكون رحمه يتعاظم عليه بحيث لا يُحب أن يصله ويتضرر من حضوره له كما هو مشاهد في بعض الأغنياء لا يحبون من أرحامهم الفقراء القُرب إليهم فهؤلاء لا يُطلب من القريب الفقير صلتهم على وجه الوجوب ولا شك في إثم الغني بل هو اللئيم لأنه الذي إذا استغنى يجفو قرابته ويُنكر نسبتهم إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٤٢ ]