(باب فيمن يهجر أخاه المسلم) وساق في الباب عدة أحاديث في تحريم الهجر فوق ثلاث. ثم قال في آخر الباب: النبي - ﷺ - هجر بعض نسائه أربعين يوما. وابن عمر ﵄ هجر ابنًا له إلى أن مات. قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا بشيء. وعمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل. وقال الخطابي في الكلام على حديث كعب بن مالك ﵁: فيه من العلم أن تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث إنما هو فيما يكون بينهما من قبل عتب أو موجدة أو لتقصير يقع في حقوق العشرة ونحوها دون ما كان من ذلك في حق الدين فإن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مر الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق اهـ.
وقد روى مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تمنعوا نسائكم المساجد، إذا استأذنَّكم إليها) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ - وتقول والله لنمنعهن. وفي رواية له عن مجاهد أنه ضرب في صدره. وقد روى البخاري المرفوع منه فقط ورواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي وغيرهم بنحو رواية مسلم.
[ ٤٢ ]
وروى أبو داود الطيالسي رواية مجاهد وقال: فرفع يده فلطمه فقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتقول هذا. وفي رواية لأحمد: فما كلمه عبد الله حتى مات. قال النووي: فيه تعزير المعترض على السنة والمعارض لها برأيه، وفيه تعزير الوالد ولده وإن كان كبيرا اهـ. وفيه أيضا جواز التأديب بالهجران قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
وفي مستدرك الحاكم عن عمرو بن مسلم قال: خذف رجل عند ابن عمر ﵄ فقال: لا تخذف فإني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن الخذف ثم رآه ابن عمر ﵄ بعد ذلك يخذف فقال: أنبأتك أن النبي - ﷺ - ينهى عن الخذف ثم خذفت، والله لا أكلمك أبدا. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية محمد بن أبي موسى وقد سأله رجل خراساني أن عندنا قوما يأمرون برفع اليدين في الصلاة وقوما ينهون عنه، قال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل ذلك رسول الله - ﷺ -. قال ابن مفلح في النكت على المحرر: وهل يهجر من تركه مع العلم؟ روي عن الإمام أحمد فيمن تركه يخبر به فإن لم ينته يهجر، ذكره الخلال. وهذا الهجر على سبيل الجواز والاستحباب لعدم وجوب المتروك وينبغي أن يكون هذا النص بالهجر والنص بأنه مبتدع بناء على النص بأنه تارك للسنة اهـ.
[ ٤٣ ]
وفي سنن ابن ماجة أن عبادة بن الصامت ﵁ غزا مع معاوية ﵁ أرض الروم فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة) فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ماكان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن رأيك، لئن أخرجني الله، لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة. فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب ﵁: ما أقدمك يا أبا الوليد فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته فقال ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر.
ورواه الدارمي في سننه مختصرا ولفظه عند أبي المخارق قال: ذكر عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي - ﷺ -: (نهى عن درهمين بدرهم) فقال فلان: ما أرى بهذا بأسا يدا بيد فقال عبادة ﵁: أقول قال النبي - ﷺ - وتقول لا أرى به بأسا والله لا يظلني وإياك سقف أبدا. وفي هذا الحديث جواز هجران من خالف السنة وعارضها برأيه.
وروى مالك في الموطأ والشافعي في مسنده من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن هذا إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء ﵁: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله - ﷺ - ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء ﵁ على عمر ﵁ فذكر ذلك له فكتب عمر ﵁ إلى معاوية ﵁ أن لا تبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن.
قوله: فقال أبو
[ ٤٤ ]
الدرداء ﵁ من يعذرني من معاوية إلخ. قال ابن عبد البر: كان ذلك منه أنفة من أن يرد عليه سنة علمها من سنن رسول الله - ﷺ - برأيه. وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأي، قال: وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك. قال: وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود ﵁ رجلا يضحك في جنازة، فقال: والله لا أكلمك أبدا. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى.
وهذا الأثر الذي ذكره عن ابن مسعود ﵁ قد رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد فقال: حدثنا سفيان حدثنا عبد الرحمن بن حميد سمعه من شيخ من بني عبس: أبصر عبد الله ﵁ رجلا يضحك في جنازة فقال: تضحك في جنازة، لا أكلمك أبدا.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن بريدة قال: رأى عبد الله بن
[ ٤٥ ]
المغفل ﵁ رجلا من أصحابه يخذف فقال له: لا تخذف فإن رسول الله - ﷺ - كان يكره أو قال ينهى عن الخذف فإنه لا يصاد به الصيد ولا ينكأ به العدو ولكنه يكسر السن ويفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له: أخبرك أن الرسول - ﷺ - كان يكره أو ينهى عن الخذف ثم أراك تخذف، لا أكلمك كلمة كذا وكذا هذا لفظ مسلم وقد رواه الدارمي في سننه بنحوه وقال فيه: والله لا أكلمك أبدا. ورواه الإمام أحمد وأبو داود مختصرا.
ورواه مسلم أيضا وابن ماجة من حديث سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن المغفل ﵁ خذف قال: فنهاه، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين) قال: فعاد فقال: أحدثك أن رسول الله - ﷺ - نهى عنه، ثم تخذف، لا أكلمك أبدا. هذا لفظ مسلم. وفي رواية ابن ماجة أن عبد الله بن المغفل ﵁ كان جالسا إلى جنب ابن أخ له فخذف، فنهاه. وذكر تمام الحديث بنحو رواية مسلم وفيه، لا أكلمك أبدا. وروى الدارمي في سننه عن خراش بن جبير قال: رأيت في المسجد فتى يخذف، فقال له شيخ: لا تخذف فإني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن الخذف، فغفل الفتى، فظن أن الشيخ لا يفطن له فخذف فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن الخذف، ثم تخذف، والله لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا أكلمك أبدا.
[ ٤٦ ]