اتفق القائلون بالنهي عن الصلاة في هذين الوقتين على أن النهي بعد العصر متعلق بفعل الصلاة أي أن من لم يصل العصر له التنفل بما شاء ولا عبرة بدخول وقت العصر. قال ابن قدامة: "والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره ومن صلى العصر فليس التنفل وإن لم يصل أحد سواه لا نعلم في هذا خلافا عند من يمنع الصلاة بعد العصر"١.
وقال النووي: " لا خلاف أن وقت الكراهة بعد العصر لا يدخل بمجرد دخول العصر بل لا يدخل حتى يصليها"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنهي في العصر معلق بصلاة العصر فإذا صلاها لم يصل بعدها وإن كان غيره لم يصل، وما لم يصلها فله أن يصلى، وهذا ثابت بالنص والاتفاق "٣.
واختلفوا في تعلق النهي عن الصلاة بعد الفجر على قولين:
_________________
(١) ١ المغني ٢/٥٢٥. ٢ المجموع ٤/١٦٧. ٣ مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٠٠.
[ ٢٣٣ ]
الأول: أن النهي متعلق بفعل الصلاة كالعصر وبه قال الحسن البصري١، والشافعي٢، وأحمد في رواية٣، ومال إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: " فأما قبل الفجر فلا وجه للنهي، لكن لا يسن ذلك الوقت إلا الفجر سنتها وفرضها"، وقال أيضا: "فإذا قيل لا سنة بعد طلوع الفجر إلا ركعتان فهذا صحيح وأما النهي العام فلا٤.
الثاني: أن النهي متعلق بطلوع الفجر أي أنه بعد طلوع الفجر الثاني يكره التنفل بما عدا ركعتي الفجر سواء صل الفجر أو لم يصل٥، روى ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب والعلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن والنخعي٦.
وإليه ذهب أبو حنيفة٧، ومالك٨، وأحمد في المشهور٩ وهو وجه للشافعية وحكاه النووي عن أكثر العلماء١٠، وقال الترمذي: "وهو ما اجتمع عليه أهل العلم كرهوا أن يصلى الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر"١١.
_________________
(١) ١ انظر المغني ٢/ ٥٢٥، مجموع الفتاوى ٢٣/ ٠ ٢٠، سبل السلام ١/ ٢٤٥. ٢ انظر المهذب ١/٩٢، روضة الطالبين١ /١٩٢، كفاية الأخيار ١/ ١٣٠. ٣ انظر المغني ٢/ ٥٢٥، الفروع ١/ ٥٧٢، الإنصاف ٢/ ٢ ٢٠. ٤ مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢ ٠ ٢، ٥ ٠ ٢. ٥ عدم كراهة ركعتي الفجر قبل الصلاة لا خلاف فيه لأنه وقتهما وورد استثناؤهما من النهي بالأحاديث الآتية قريبا للاستدلال لهذا القول. أما فعلهما بعد الصلاة فهي مسألة خلافية يأتي الكلام عنها ص ٢٥١. ٦ انظر المغني ٢/ ٥٢٥، مجموع الفتاوى ٢٣/٢٠٠. ٧ انظر المبسوط ١/ ١٥٠، االهداية ١/ ٤٠، الاختيار لتعليل المختار ١/ ٤١. ٨ انظر الكافي ١/ ١٦٥، القوانين الفقهية ص ٥٣، مختصر خليل ص ٢٤. ٩ انظر الهداية لأبي الخطاب ١/ ٤١، المغني ٢/ ٥٢٥، الفروع١/٥٧٢، الإنصاف ٢/٢ ٢٠، دليل الطالب ص٤١، شرح منتهى الإرادات١ /٢٤٢. ١٠ انظر المجموع٤ /١٦٧. ١١ سنن الترمذي ٢/ ٢٨٠.
[ ٢٣٤ ]
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١- عن عطاء بن يزيد الليثي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: " لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس " ١.
٢- ما جاء في حديث عمرو بن عبسه أن النبي ﷺ قال: "صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع " ٢.
٣- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ: " نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس " ٣.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح كما نهى عن الصلاة بعد العصر فدل ذلك على أن النهي متعلق بفعل الصلاة، لأن النهي بعد العصر متعلق بفعل الصلاة بلا خلاف، ولو أنه أراد الوقت لاستثنى ركعتي الفجر والفرض "٤.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١- عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين " ٥.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٢٢٤. ٢ أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب إسلام عمرو بن عبسة ١/ ٥٦٩-٥٧٠ حديث ٨٣٢. ٣ سبق تخريجه ص ٢٢٤. ٤ انظر المغني ٢/ ٢٦ ٥، مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢ ٠ ٢-٠٣ ٢. ٥ أخرجه الترمذي واللفظ له في أبواب الصلاة باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين٢/٢٧٨ حديث ٤١٩ وقال: "حديث ابن عمر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى وروى عنه غير واحد" وذكر الزيلعي في نصب الراية ١/٢٥٦ طرق- أخرى له من غير طريق قدامة بن موسى وقال: "وكل ذلك يعكر على الترمذي في قوله لا نعرفه إلا من حديث ابن قدامة". وأخرجه أيضا أبوداود في كتاب الصلاة باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة١ /٥٨حديث ١٢٧٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/٤٦٥، والمروزي في مختصر قيام الليل ص ١٩١ وصححه الألباني. انظر إرواء الغليل ٢/٢٣٢.
[ ٢٣٥ ]
٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر" ١.
٣- عن حفصة قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين " ٢ وكون النبي ﷺ لا يزيد عليهما مع حرصه على الصلاة د ليل على كراهة غيرهما في هذا الوقت٣.
الترجيح:
بالنظر إلى أدلة القولين في المسألة يظهر والله أعلم أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني وهو أن النهي عن الصلاة بعد الفجر متعلق بطلوع الفجر لا بفعل الصلاة وأنه إذا طلع الفجر الثاني كره التنفل بما عدا ركعتي الفجر، لصراحة الأدلة على ذلك، ولا تعارضها أدلة أصحاب القول الأول لأن أكثر ما فيها أنها دلت على النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وليس فيها ما يدل على عدم النهي عند طلوع الفجر إلا بدليل الخطاب، وأدلة أصحاب القول الثاني دلت على النهي عند طلوع الفجر بالمنطوق، والمنطوق يقدم على المفهوم، كما أن حديث عمرو بن عبسه أحد أدلة أصحاب القول الأول اختلفت ألفاظه فجاء عند ابن ماجه بلفظ "فقلت هل من ساعة أحب إلى الله من أخرى؟ قال: "نعم جوف الليل الأوسط فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح ثم انته حتى تطلع الشمس "٤.
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في السنن الكبرى واللفظ له ١/ ٤٦٥، ٤٦٦، والدارقطني ١/٢٤٦، والمروزي في محتصر قيام الليل ص ١٩١ وصحح أحمد محمد شاكر أسانيده في هامش الترمذي ٢/ ٢٨٠. ٢ أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها في باب استحباب ركعتي الفجر ١/ ٥٠٠ حديث ٧٢٣. ٣ انظر الهداية للمرغيناني ١/ ٤٠. ٤ سنن ابن ماجة كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة ٣٩٦/١ حديث١٢٥١. وانظر المغني ٢/ ٥٢٦.
[ ٢٣٦ ]