حكم إسقاط بعض الدين الحال دون شرط (^١).
اتفق الفقهاء من الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، والظاهرية (^٦) على جواز إسقاط بعض الدين الحال إذا لم يكن عن شرط، وكان على سبيل التبرع والإحسان، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: عن كعب بن مالك ﵁: "أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ،
_________________
(١) صورة المسألة: أن يسقط الدائن عن المدين بعض دينه الحال من عند نفسه، أو تنزلا لرغبة المدين في ذلك، أو أن يؤدي المدين بعض ما عليه فيبرئه الدائن من الباقي، كل ذلك من غير شرط بينهما.
(٢) انظر: تحفة الفقهاء، للسمرقندي ٣/ ٢٥٩، البحر الرائق، لابن نجيم ٧/ ٢٥٩، درر الحكام، لعلي حيدر ٣/ ٨٨
(٣) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٣٩٥، التاج والإكليل، للمواق ٦/ ١٨٣، شرح مختصر خليل، للخرشي ٥/ ٥٣.
(٤) انظر: الحاوي، للماوردي ٥/ ١٧٤ أسنى المطالب، للأنصاري ٢/ ٢١٥، فتاوى السبكي ١/ ٣٤٠
(٥) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٧، الإنصاف، للمرداوي ٥/ ٢٣٥، المحرر، لعبد السلام ابن تيمية ١/ ٥٠١.
(٦) انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧٠.
[ ١٤٣ ]
«فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُمْ فَاقْضِهِ» " (^١).
وجه الدلالة من الحديث: أن كعب بن مالك أسقط بعض دينه الحال مقابل أخذ الباقي منه دون شرط، استجابة لأمر النبي ﷺ، وفي ذلك دلالة على جواز إسقاط بعض الدين الحال مقابل أخذ باقيه دون شرط، بل إنه من فعل الخير الذي حث عليه الشرع (^٢)، قال ابن حزم: "أن يعطيه بعض ما له عليه ويبرئه الذي له الحق من باقيه باختياره، ولو شاء أن يأخذ ما أبرأه منه لفعل: فهذا حسن جائز بلا خلاف، وهو فعل خير" (^٣).
الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي، وَقَالَ: «سَنَغْدُو عَلَيْكَ»، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا" (^٤).
وجه الدلالة من الحديث: أنه في طلب النبي ﷺ من الغرماء أن يقبلوا تمر حائط جابر بن عبد الله ﵄ ويحللوا والده من الباقي دلالة على جواز إسقاط بعض الدين الحال مقابل أخذ باقيه دون شرط، وأنه من الأمور المشروعة بدلالة شفاعة النبي ﷺ فيها.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب التقاضي والملازمة في المسجد، برقم ٤٥٧، ومسلم، كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، برقم ١٥٥٨، واللفظ له.
(٢) انظر: تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ٤٢، المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧٠.
(٣) المحلى، لابن حزم ٦/ ٤٧٠.
(٤) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب إذا قضى دون حقه أو حلله، برقم ٢٣٩٥.
[ ١٤٤ ]