حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله، دون شرط (^١).
اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين على قولين:
القول الأول: أنه جائز.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، والظاهرية (^٥).
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهو مذهب المالكية (^٦)
_________________
(١) صورة المسألة: أن يسقط الدائن بعض الدين المؤجل الذي على المدين، ويعجل المدين الوفاء قبل أجله، أو يعجل المدين الوفاء قبل أجله فيسقط الدائن الباقي، كل ذلك بغير شرط بينهما ولا مواطأة.
(٢) انظر: المبسوط، للسرخسي ١٣/ ١٢٦، تبيين الحقائق، للزيلعي ٥/ ٤٢، بدائع الصنائع، للكاساني ٦/ ٤٥، أحكام القرآن، للجصاص ٢/ ١٨٧
(٣) انظر: الحاوي، للماوردي ١٨/ ٢٣٣، السنن الكبرى، للبيهقي ٦/ ٢٧، فتاوى السبكي ١/ ٣٤٠
(٤) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٦، الشرح الكبير، لابن قدامه ٥/ ٤، إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٢
(٥) انظر: المحلى، لابن حزم ٦/ ٣٥٧.
(٦) انظر: التاج والإكليل، للمواق ٦/ ١٨٣، الفواكه لدواني، للنفراوي ٢/ ٩١، حاشية العدوي ٢/ ١٦٥.
[ ١٤٨ ]
دليل القول الأول: أن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه ولا دليل يمنع من ذلك، بل إن كل واحد منهما محسن، ومتبرع ببذل حقه من غير عوض (^١).
دليل القول الثاني: بأن ذلك بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، فهذا الربا بعينه (^٢)، وإن لم يكن ربا فهو ذريعة للربا، وفي المنع منه سدًا لذريعة الربا. قال السبكي (^٣): "قال مالك ﵀ هو باطل مطلقًا-يعني ضع وتعجل- سواء جرى بشرط أم بغير شرط للتهمة وذلك قاعدة مذهبه" (^٤)، وقال ابن القيم (^٥): "وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط ولا بدونه سدًا للذريعة" (^٦).
يناقش: بالفرق بين مسألة ضع وتعجل وبين الربا، فالربا زيادة في الأجل الحال مع زيادة في الثمن، وهذه عكس الربا فهي إسقاط من الثمن مقابل التعجيل بالأجل، ومن شروط سد الذريعة أن تفضي الذريعة إلى المقصود
_________________
(١) انظر: المغني، لابن قدامة ٤/ ٣١٦، المحلى، لابن حزم ٦/ ٣٥٧.
(٢) انظر: الموطأ، للإمام مالك ٤/ ٩٧١.
(٣) هو تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، فقيه شافعي، ولد سنة ٦٨٣ هـ، تولى قضاء الشام، ومن مؤلفاته: "الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم"، و"السيف المسلول على من سب الرسول"، و"الابتهاج شرح المنهاج"، توفي سنة ٧٥٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية، للسبكي ١٠/ ١٣٩، طبقات المفسرين، للأدنوي، ص ٢٨٥.
(٤) فتاوى السبكي ١/ ٣٤٠
(٥) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية، الإمام المفسر الفقيه، ولد سنة ٦٩١ هـ، من أكبر تلاميذ ابن تيمية، له مصنفات كثيرة مباركة، منها: زاد المعاد في هدي خير العباد ومدارج السالكين، توفي سنة ٧٥١ هـ انظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب ٢/ ٤٤٩، الأعلام، للزركلي ٦/ ٥٦.
(٦) إغاثة اللهفان، لابن القيم ٢/ ١٢
[ ١٤٩ ]
غالبًا، وإذا لم يكن هناك شرط ولا مواطأة بين الدائن والمدين فإن ذريعة الربا بعيدة، وغير محققة في الغالب.
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين؛ وذلك لأن الأصل في العقود الصحة إلا ما قام الدليل بمنعه، ولم يقم دليل يمنع من إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين.
[ ١٥٠ ]