المسألة الأولى: حكم الاتفاق بين المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين.
أجمع العلماء على أن اتفاق المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين محرم، وهو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمة (^١)، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (^٢). حتى أن الفقهاء القائلين بجواز فرض غرامة مالية على المدين المماطل إذا تضرر الدائن يحرمون الاتفاق عليها بين المتعاقدين عند العقد؛ قال الزرقا: "إن الاتفاق على مقدار ضرر الدائن عن تأخير الوفاء له محذور كبير؛ وهو أنه قد يصبح ذريعة لربا مستور
_________________
(١) انظر: الإجماع، لابن المنذر ص ١٣٦، مراتب الإجماع، لابن حزم ص ١٦٥، الكافي، لابن عبد البر ٢/ ٦٣٣ مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٩/ ٤١٨.
(٢) الإجماع، لابن المنذر ص ١٣٦
[ ٥٢ ]
بتواطؤ من الدائن والمدين، بأن يتفقا في القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض في ميعاده، لكن يستحق عليه الدائن تعويض تأخير متفق عليه مسبقًا يعادل سعر الفائدة، فلذلك لا يجوز في نظري" (^١)، وقال الصديق الضرير: "لا يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له مبلغًا محددًا، أو نسبة من الدين الذي عليه في حالة تأخره عن الوفاء في المدة المحددة، سواء أسمي المبلغ غرامة، أو تعويضًا، أو شرطًا جزائيًا؛ لأن هذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه" (^٢)، وقال المنيع: "إن التعويض عن ضرر التأخير في الأداء إن كان نتيجة شرط فهو ربا" (^٣)، وقال أيضًا: "والذي يظهر لي أن الشرط الجزائي بالنسبة لسداد الديون هو أخذ بالمنهج الجاهلي: أتربي أم تقضي؟، بل قد يكون أشد من ذلك؛ لأن المنهج الجاهلي يبدأ عند حلول أجل السداد، وهذا يقر عند التعاقد، فهو إقرار بالربا الجاهلي عند التعاقد" (^٤).
_________________
(١) مقال هل يقبل شرعا الحكم على المدين بالتعويض، للزرقا، منشور في مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، المجلد الثالث، العدد الثاني، رجب ١٤١٧ هـ، ص ٩٥.
(٢) الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل، للصديق محمد الأمين الضرير، منشور في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز المجلد الثالث، العدد الأول ١٤٠٥ هـ ص ١١٢.
(٣) بحث في أن مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته، ضمن فتاوى وبحوث، لعبد الله بن منيع ٣/ ٢٣٧.
(٤) مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني عشر، ٢/ ٢٩٢. وقد نَسب الدكتور مزيد المزيد في كتابه استيفاء الديون، ص ١٨٨ إلى الشيخ عبد الله المنيع القول بجواز الاشتراط بين المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين، وأحال على مقال الشيخ الذي عنوانه: مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته، وهو منشور في فتاويه ٣/ ١٩١، وقد قرأت المقال كاملًا وجميعَ فتاوي الشيخ بمجلداتها الأربع، ولم أجد له هذا القول الذي نسبه له الدكتور المزيد، والنقولات السابقة التي نقلتها في المتن من كلام الشيخ المنيع تدل على أنه لا يرى هذا القول، والله أعلم.
[ ٥٣ ]