[ص ١٩] وهذه الحيلة إنما حدثت في القرون المتأخرة، وأنكرها العلماء، وقد اطلعتُ على كلام المتأخرين من الفقهاء فيها. فأما الشافعية فقالوا: إذا وقعت المواطأة والشرط، ثم وقع العقد بصفة البيع، ولا ذكر للشرط في عقده، فالشرط السابق لغوٌ، والبيع صحيح نافذ. وإن كان الشرط بعد انعقاد العقد ولزومه فالبيع صحيح نافذ، والشرط وعدٌ، للمشتري أن يفي به وأن لا يفي. ولو كان الشرط بصيغة نذر من المشتري لزمه الوفاء به، وإن وقع الشرط في صلب العقد بطل البيع، ومن الشرط أن يقال: بيع عهدة، أو بيع وفاء، أو نحوه.
ولكن بعض فقهاء حضرموت أفتوا بصحة البيع والشرط.
قال في "القلائد" (^١): "بيع العهدة المعروف بجهة حضرموت وغيرها، وهو أن يتفق المتبايعان أن البائع متى أراد رجوع المبيع إليه أتى بمثل الثمن المعقود به، وفَسَخ البيع، أو يُفسَخ عليه، رضي المشتري أم لا. وكذا إن اتفقا أنه إن أراد فكَّ البعض فله ذلك، كما صرَّح به بعض الفقهاء، وهو فاسد إن وقع الشرط في نفس العقد أو بعده في زمن الخيار، وسيأتي في الخيار أن مذهب أحمد وغيره جواز شرطه لأحد العاقدين مطلقًا، وأنه يتأبد له وهو مقتضٍ لصحة ما فعلاه هنا، ولزومِه عندهم، فإن وقع قبل العقد بالمواطأة ثم عقدا مُضمِرَين ذلك فهو وعد لايلزم على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، ولكن رأى جماعة من أهل العلم تنفيذه بناء على وجوب الوفاء بالوعد، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى وغيره، وأقاموا ذلك مقام الحقوق اللازمة
_________________
(١) "قلائد الخرائد" لباقشير الحضرمي (١/ ٣١٧).
[ ١٨ / ٣٢٠ ]
حتى ينوب الحاكم في الفسخ أو قبوله حيث غاب المشتري أو امتنع".
ثم قال بعد ذلك بكلام: "وذهب قوم إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان شرطًا واحدًا، ويلزم".
أقول: الحاصل أنه أسند جواز البيع مع الشرط المذكور في صلب العقد إلى أمرين:
الأول: قوله: "إن مذهب أحمد وغيره جواز شرطه لأحد العاقدين مطلقًا، وأنه يتأبد له". وقال في الخيار: "وجوزه أحمد وإسحاق مطلقًا، ويتأبد".
الثاني: قوله: "وذهب جماعة إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان شرطًا واحدًا".
وأسند وجوب الشرط ولزومه إذا كان قبل العقد إلى مذهب مالك في وجوب الوفاء بالوعد.
فأما الأول: فكأنه مستند إلى ما في "فتح الباري" (^١): "فإن شرطا أو أحدهما الخيار مطلقًا، فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: هو شرط باطل، والبيع جائز. وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يبطل البيع أيضًا. وقال أحمد وإسحاق: للذي شرط الخيار أبدًا".
فأما الإمام أحمد: فإن صح هذا عنه فكأنه رواية ضعيفة عند أصحابه، فإن في "زاد المستقنع" من كتبهم في خيار الشرط: "أن يشترطاه في العقد مدة معلومة، ولو طويلة".
_________________
(١) (٤/ ٣٢٨).
[ ١٨ / ٣٢١ ]
قال في شرحه "الروض المربع": "ولا يصح اشتراطه بعد لزوم العقد، ولا إلى أجل مجهول، ولا في عقد حيلة ليربح في قرض فيحرم، ولا يصح البيع" (ص ١٩٠) (^١).
[ص ٢٠] أقول: والمدة الطويلة إذا مات الشارط قبلها انقطع خياره عندهم، ففي "زاد المستقنع": "ومن مات منهما بطل خياره".
قال الشارح: "فلا يورث إن لم يكن طالب به قبل موته" (ص ١٩١) (^٢).
أقول: ومطالبته به قبل موته تكون فسخًا، فينفسخ العقد من حينئذٍ، ولو طالب به عقب العقد بساعة انفسخ العقد من حينئذٍ، ولو لم يدفع الثمن، وهذا مخالف لمقصود بيع العهدة.
وفوق هذا فالمقصود ببيع العهدة هو الحيلة، فيكون البيع والشرط باطلًا عند الحنابلة مطلقًا كما علمت.
والفرق بين شرط الخيار لغير حيلة وشرطه لحيلةٍ: أن الأول يكون مقصود البائع عند البيع إخراج المبيع من ملكه بتاتًا، ولكنه يخاف أن يبدو له فيندم بعد ذلك، فلأجل هذا شرط الخيار.
والثاني لا يقصد البائع إخراج المبيع عن ملكه، وإنما حاجته إلى الدراهم ألجأته إلى أن يضع أرضه تحت يد معامله إلى أن يتيسر له قضاء تلك الدراهم، ولهذا يرضى صاحب الأرض بدراهم أقلَّ من ثمن المثل، وتجدهم في حضرموت يصرحون بأنه رهن، فيقول البائع: رهنت أرضي عند
_________________
(١) (٤/ ٤٢١) بحاشية ابن قاسم.
(٢) (٤/ ٤٣٢، ٤٣٣).
[ ١٨ / ٣٢٢ ]
فلان، ويقول المشتري: هذه الأرض مرهونة عندي، وتجد ذلك في وصاياهم وغيرها، وإنما يطلقون عليه بيعًا حال العقد، كما يعلمهم كتَّاب العقود الذين عرفوا طرفًا من الفقه، أو تعلموا كيف يكتبون وثيقة في هذا الباب.
وعلى هذا فإذا كان في مذهب أحمد رواية بصحة الخيار المطلق، فلا تفيد أهل العهدة؛ لأن مقصودهم الحيلة على الربا، ولغير ذلك. والله أعلم.
وفي "الشرح" في أحكام الشروط: "وكذا شرط رهن فاسد، كخمر، ومجهولٍ، وخيارٍ أو أجل مجهولين، ونحو ذلك، فيصح البيع، ويفسد الشرط" (ص ١٨٨) (^١).
والمراد أنه يصح ما لم يكن العقد حيلة، كما تقدم. والله أعلم.
وأما قول إسحاق فلم أقف على تفصيل مذهبه، وعسى أن يكون كمذهب أحمد، وما لم يعلم قوله مفصّلًا مفسّرًا لا يمكن تقليده.
وأما الثاني: وهو قوله: "وذهب قوم إلى صحة بيع وشرط، وهو مذهب أحمد إذا كان الشرط واحدًا"، فليس على إطلاقه، ففي مذهب أحمد تفصيل؛ فمن الشروط في مذهبه ما يصح مطلقًا، وهو ما وافق مقتضى العقد، كاشتراط حلول الثمن، أو كان من مصلحة العقد، كاشتراط تأجيل الثمن، أو فيه منفعة معلومة للبائع، كركوبه الدابة إلى موضعٍ معين، أو للمشتري كأن يشتري حطبًا، ويشترط على البائع أن يحمله إلى موضع معلوم.
_________________
(١) "الروض المربع" (٤/ ٤٠٤) بحاشية ابن قاسم.
[ ١٨ / ٣٢٣ ]
فهذا النوع الثالث ــ أعني الذي فيه منفعة معلومة للبائع أو للمشتري ــ يصح عندهم إذا كان شرطًا واحدًا، ويبطل البيع إذا كان شرطين. وفسروا الشرطين باشتراط منفعتين، قال في "الروض المربع": "كحمل حطبٍ وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله" (^١).
ومن الشروط في مذهبه ما هو فاسد، وهو ما ينافي مقتضى العقد، فتارة يبطل الشرط ويصح العقد، كاشتراط المشتري أنه إذا لم ينفق المبيع رده، أو أن لا يبيع المبيع ولا يهبه ولا يعتقه، وتارةً يبطل العقد أيضًا، كاشتراط عقد آخر، كأن يقول: بعتك بشرط أن تقرضني، وتارة لا ينعقد البيع من أصله، كقول الراهن: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، وكذا كل بيعٍ عُلِّق على شرط مستقبل، [ص ٢١] وتمام التفصيل في كتبهم.
والحاصل: أن الشرط الذي يجوز عندهم إذا كان واحدًا، ويبطل البيع إذا كان شرطين= هو ما كان في مصلحة البيع، وفيه منفعة معلومة لأحد العاقدين. ومثَّلوه بأن يشتري حطبًا، ويشترط على البائع حمله إلى موضعٍ معلومٍ أو تكسيره، أو يشتري ثوبًا، ويشترط على البائع تفصيله أو خياطته، فيصح. ولو اشترط مشتري الحطب حمله وتكسيره، أو اشترط مشتري الثوب تفصيله وخياطته، كان قد جمع شرطين، فيبطل البيع.
والشرط الذي تضمنه بيع العهدة ليس من مقتضى البيع، ولا من مصلحته، بل هو من المنافي، وفي المنافي عندهم تارةً يلغو الشرط ويصح البيع، ومن أمثلته عندهم الخيار المجهول كما تقدم، ومثله فيما يظهر الخيار إلى مدة معينة مع شرط أن المشتري إذا مات يقوم ورثته مقامه.
_________________
(١) (٤/ ٣٩٩).
[ ١٨ / ٣٢٤ ]
ووجه ذلك أن الخيار من أصله منافٍ للبيع، وإنما أجيز لدليل خاص، وذلك الدليل الخاص لا يتناول أن يكون الخيار لورثته من بعده، فهذا يقتضي بطلان الشرط وصحة البيع، ولكن الشرط الذي تضمنه بيع العهدة ليس خيارًا، وإنما المقصود به الحيلة على الربا، وهو باطل عندهم كما تقدم.
وتحقيقه أن خيار الشرط موضوع لمن يكون قصده حال البيع أن يخرج السلعة من ملكه بتاتًا، ولكنه يخاف أن يبدو له فيندم، وبيع العهدة ليس من هذا قطعًا، وإنما المقصود منه أن تكون السلعة رهنًا بيد من يُسمى مشتريًا، ليفكَّه من يُسمى بائعًا هو أو ورثته متى أرادوا.
هذه حقيقته، ولهذا يطلقون عليه لفظ "الرهن"، فيقول الرجل: أريد أن أرهن أرضي، ويقول الآخر: يريد فلان أن يرهن عندي (^١) أرضه، ويقولان بعد العقد: رهنت أرضي عند فلان، وهذه الأرض عندي رهن، كما تقدم.
وعلى كل حال فقد تبين بطلان بيع العهدة في مذهب أحمد وحرمته، وأنه ربا. والله أعلم.
وأما السند الثالث: وهو الإلزام بالمواطأة قبل العقد، بناءً على وجوب الوفاء بالوعد في مذهب مالك، وفسره في "القلائد" (^٢) بعد ذلك بقوله: "مذهبنا أيضًا أن الوفاء بالوعد مكرمة متأكدة، وأن الإخلاف به مع القدرة وعدم الضرر مكروه جدًّا، وعند قوم يجب الوفاء، وقالت المالكية: يجب إن ارتبط بسبب، كقوله: أعطِني كذا، أو احلِفْ لا تسبَّني وأنا أعطيك كذا. وبيع
_________________
(١) في الأصل: "عني".
(٢) (١/ ٣٢٠).
[ ١٨ / ٣٢٥ ]
العهدة عندنا من هذا واختار جمع كثير من أصحابنا المتأخرين والذين قبلهم ما ذكرناه من المواطأة قبل، وإلزام الوعد بمقتضى مذهب من أوجبه للضرورة في الحاجة إلى الثمن، مع قلة الراغب في المبيع إلا بغبن كثير، فقصدوا التخلص منه بشرط أن له أن يفكَّه عند قدرته، ومشوا على ذلك حتى ألزمت به الحكام، ورتبوا عليه الأحكام".
أقول: مالك وأصحابه ﵏ بريئون من هذه المعاملة، ومن المواعيد عندهم ما يأمرون بالوفاء بها، ولكن يقولون: ليس للحكام الإلزام بها قضاءً، ومنها ما إذا كان تمهيدًا لعقد ينزل عندهم منزلة الشرط في ذلك العقد، فيبطل العقد ويحرم. ومنها: غير ذلك. بل النذر عندهم لا يلزم به إلا ما لا يصح وقوعه إلا قربة.
وفي "الشرح الكبير" مع المتن: " (وإنما يلزم به) أي النذر (ما ندب) ".
قال الدسوقي في حواشيه: "يعني مما لا يصح أن يقع إلا قربةً، وأما ما يصح وقوعه تارة قربةً، وتارة غيرها فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبًا، كالنكاح والهبة [هـ بن] ". (ج ٢ ص ١٤٤).
وأما ما ذكره صاحب "القلائد" عنهم فمحله فيما ارتبط بسبب فيه كلفة على الموعود؛ لأنه صار في معنى الإجارة أو الجعالة.
وقوله: "أعطني كذا، وأنا أُعطيك كذا" في معنى البيع، فإن وقع الوعد في بيع الوفاء قبل العقد فهي مواطأة مفسدة، كما سيأتي عن المالكية، وإن وقع في صلب العقد فأولى، وإن وقع بعد لزوم العقد فقد صرحوا بأنه وعد لا يلزم الوفاء به، كما سيأتي.
[ ١٨ / ٣٢٦ ]
[ص ٢٢] ومالك رحمه الله تعالى يحتاط في محاربة الربا أشد الاحتياط، حتى حرَّم الإقراض طمعًا في الزيادة، إذا عُرف من عادة المستقرض الزيادة في القضاء، وحرَّم قبول الزيادة إذا كانت عن وعد أو عادة.
فكان على أنصار بيع العهدة أن يراجعوا كتب المالكية، أو يستفتوا أحد علمائهم، ولا يُقدِموا على التحليل والتحريم بناءً على نقول مجملة. والله المستعان.
هذا وقد نصَّ المالكية على حرمة بيع العهدة، أو بيع الوفاء، ووجوب إبطاله وحرمة انتفاع المشتري بالمبيع إذا كان الشرط في صلب العقد، أو تواطآ عليه قبل العقد، وأنه إذا لم يكن هناك شرط ولا مواطأة أصلًا فالبيع صحيح، ولو تبرع المشتري بعد لزوم البيع بنحو قوله: "متى رددتَ إليّ الثمن دفعتُ لك المبيع" كان وعدًا يستحبُّ الوفاء به، ولا يلزم.
وهذه عبارة الدسوقي في حواشي "الشرح الكبير" للمالكية: "وبيع الثُّنيا هو المعروف بمصر ببيع المعاد، بأن يشترط البائع على المشتري أنه متى أتى له بالثمن رد المبيع، فإن وقع ذلك الشرط حين العقد، أو تواطآ عليه قبله كان البيع فاسدًا ولو أسقط الشرط، لتردد الثمن بين السلفية والثمنية وأما إذا تبرع المشتري للبائع بذلك بعد البيع بأن قال له بعد التزام البيع: متى رددتَ إليّ الثمن دفعتُ لك المبيع، كان البيع صحيحًا، ولا يلزم المشتريَ الوفاءُ بذلك الوعد، بل يستحبُّ فقط". (ج ٣ ص ٦٢).
وفي المتن والشرح: " (ورُدَّ) المبيع بيعًا فاسدًا لربه إن لم يفت وجوبًا، ويحرم انتفاع المشتري به ما دام قائمًا".
وحكى المحشي عن الشيخ أحمد الزرقاني أن المشتري بهذا البيع يرد
[ ١٨ / ٣٢٧ ]
الغلة مع المبيع، ولا حق له فيها.
وحكى عن (ح) ورجحه أن المشتري إذا قبض المبيع برضا البائع يفوز بغلته ما دام عنده، بناءً على أن حكم البيع الفاسد في المذهب هكذا، فهو حرام يجب نقضه، ويحرم على المشتري الانتفاع به، ولكن مع ذلك كله يفوز بغلته؛ لأنه في ضمانه، والخراج بالضمان.
قال: "وإن لم يقبضه (المشتري) بل بقي عند البائع، فالغلة له لا للمشتري، ولو كان المشتري أبقاه عند البائع بأجرة، كما يقع بمصر؛ لأنه فاسد، ولم يقبضه".
أقول: حكم البيع الفاسد عندهم هكذا، أنه يحرم ويجب رده، ويحرم على المشتري الانتفاع به، ومع ذلك فغلَّته للمشتري إذا قبضه برضا البائع؛ لأن الخراج بالضمان، وإنما الشأن في هذا البيع: أبيعٌ فاسد هو، فيكون حكمه كما قال (ح)، أم غير ذلك؟
والذي يظهر أن الزرقاني جعله رهنًا، والحق معه، لأنَّ الشرط المذكور سلخ هذا العقد عن حقيقة البيع، وجعله من حقيقة الرهن بشرط انتفاع المرتهن به.
[ملحق ص ٢٢] والبيع الذي سماه سلف المالكية بيع الثُّنيا، وذكروا أنه فاسد، إنما هو نحو أن يشرط بائع الجارية مثلًا على المشتري أنك إن بعتها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به، كما في "الموطأ" (^١).
وقد حكى الباجي في "المنتقى" عن سحنون أنه علَّل عدم جوازه "بأنه
_________________
(١) (٢/ ٦١٦).
[ ١٨ / ٣٢٨ ]
سلفٌ يجرُّ منفعة، وذلك أنه يسلفه الثمن؛ لينتفع هو باستغلال المبيع". "المنتقى على الموطأ" (ج ٤ ص ٢١٠) (^١).
أقول: وقضية تعليل سحنون أن لا تكون الغلة للمشتري؛ لأنها منفعة جرَّها القرض، والمالكية يشددون في ذلك جدًّا، كما تراه في باب القرض من "الشرح الكبير" وغيره من كتبهم.
هذا مع أن الصورة المتقدمة لم يتمحض العقد فيها لأن يكون في المعنى سلفًا ورهنًا؛ لأنه لم يشترط ردّه عليه مطلقًا، ولا اشترط أن يتأبد حق الاسترداد حتى بعد موتهما، ولا اشترط أن يرده له بمثل الثمن الذي دفعه، بل اشترط أن المشتري إذا أراد بيعه فالبائع أحق به بالثمن الذي يريد المشتري أن يبيع به.
فإذا كان هذا عند سحنون سلفًا جرّ منفعةً، فما بالك ببيع الوفاء؟ وفيه اشتراط الرد مطلقًا مؤبدًا بمثل الثمن المدفوع، فقد انسلخ هذا العقد عن حقيقة البيع في المعنى إلى حقيقة السلف والرهن على شرط أن ينتفع المرتهن بالمرهون.
وبالجملة فمن تدبَّر مذهب مالك ﵀ ورأى إمعانه في سدِّ الذرائع، ولا سيما ذرائع الربا، والتفاته إلى المعاني، واهتمامه بإبطال الحيل، وذهابه إلى وجوب معاقبة الخارج عن طريق الشرع بنقيض قصده، لا يسعُه إلا الجزم بما قاله الزرقاني.
فمن مذهب مالك ﵀ أن المطلقة في مرض الموت ترث، ولو لم
_________________
(١) (٦/ ١٢٩) ط. دار الكتب العلمية.
[ ١٨ / ٣٢٩ ]
يمت الزوج حتى انقضت عدتها، وتزوجت بعدة أزواج، وقال: إن الرجل إذا تزوج امرأة في عدتها فرق بينهما، ثم لا يحلُّ به نكاحها أبدًا عقوبةً له على استعجاله.
أقول: وإذ قد عُلِم أن المقصود في بيع الوفاء إنما هو أن يقضي البائع حاجته بالثمن، وأن ينتفع المشتري بالمبيع حتى يرجع له الثمن، وتلك حقيقة الربا، كما أفاده ما مرَّ عن سحنون، فلا خفاء أنه إذا قضى للمشتري بالغلة حصل مقصود المرابين، وأدى ذلك إلى انهماكهم في هذه المعاملة الخبيثة، ولاسيما في هذه الأزمان التي لم يعد يكفي لزجر الناس أن يقال لهم: هذا العقد حرام، وعدم إبطاله حرام، وانتفاع المشتري بالمبيع حرام، فإنهم يقولون: حرام في حرام في حرام، ولكن الحكام لا يتمكنون من منعنا من مقصودنا، بل يحكمون لنا بالغلات، فأهلًا وسهلًا بالحرام إذا كان يقضي به الحكام.
هذا، وفي مذهب مالك كثير من جواز عقوبة الحاكم للمعتدين، حتى جوز إتلاف المال المغشوش، ونحو ذلك.
بقي أن يقال: فما يصنع الزرقاني بقاعدة الخراج بالضمان؟
أقول: أما إن كان يرى أن هذا العقد يكون سلفًا ورهنًا
_________________
(١) كما يأتي عن الحنفية، وهو المعنى المعقول المعروف بين الناس كما سيأتي فلا إشكال؛ لأن الرهن غير مضمون. وإن كان يرى أن المبيع يكون في ضمان المشتري، فلعله يقول: إن قاعدة الخراج بالضمان قد عارضتها قاعدة سدّ الذرائع، وقاعدة العقوبة بنقيض القصد.
[ ١٨ / ٣٣٠ ]
فإن قيل: ولماذا تختص العقوبة بالمشتري مع أنهما جميعًا شريكان في الإثم؟
قلت: يمكن أن يقال: إن الغالب على البائع أن يكون محتاجًا. على أنه إذا جعل رهنًا ــ كما هو معنى هذه المعاملة في الحقيقة ــ فليس هناك عقوبة، بل هناك صورة عقوبة عليهما معًا، فعقوبة المشتري حرمانه من الغلة، وعقوبة البائع حرمانه من أن يكون المبيع في ضمان المشتري.
ونكون بهذا الحكم قد رجعناهما إلى ما شرعه الله لهما مما أرادا أن يفرا منه. والله المستعان.
وفي حاشية الدسوقي في النذر بعد قول المتن والشرح: "" (وإنما يلزم به) أي النذر (ما ندب) " ما لفظه: "يعني مما لا يصح أن يقع إلا قربةً، وأما ما يصح وقوعه تارةً قربة، وتارةً غيرها، فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبًا، كالنكاح والهبة" (ج ٢ ص ١٤٤).
هذا، وما تقدم عنهم من أن التبرع بالوعد بعد العقد لا يضر، ويستحب الوفاء به، شرطه عندهم أن يكون تبرعًا محضًا.
قال الباجي: "مسألة: وأما إن تطوع المبتاع بعد كمال العقد، وملكه للمبيع، فقال أصبغ: إذا سلما من مداهنة أو مواعدة فذلك جائز". "المنتقى" (ج ٤ ص ٢١١) (^١).
فأما إذا كان للمشتري عادة أن من باع له مثل هذا البيع يعده بالإقالة، فإن مالكًا نصَّ في ما يشبه هذا بأن العادة بمنزلة الشرط في صلب العقد. انظر
_________________
(١) (٦/ ١٣١) ط. دار الكتب العلمية.
[ ١٨ / ٣٣١ ]
"المنتقى" (ج ٥ ص ٩٦ - ٩٧).
وقاعدة "الخراج بالضمان" أصلها حديث صحَّحه جماعة، وضعَّفه البخاري وأبو داود؛ لأن في سنده مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، ومع ذلك ففيه أن مورده في الرد بالعيب أن رجلًا اشترى غلامًا، ثم بعد مدة اطلع فيه على عيب، فقضى النبي - ﵌ - بردّه، فقال المقضيُّ عليه: قد استعمله. فقال النبي - ﵌ -: "الخراج بالضمان" (^١).
وقد تقرر في الأصول أن المحلى بـ "ال" لا يعم إلا إذا لم يتحقق عهد، والعهد ههنا متحقق، وعليه فالمراد: الخراج الذي تطالب به بالضمان الذي كان على المشتري.
نعم يقاس على هذا ما في معناه. والمشتري بالبيع الفاسد ليس في معناه؛ لأن الأول نشأ ضمانه عن وضع يده بحق مأذون فيه شرعًا، وليس الأمر في البيع الفاسد كذلك؛ لأن العقد فيه حرام، وتأخير بعضه حرام، وانتفاع المشتري فيه حرام. والله أعلم.
وأما غير مالك ممن قال بوجوب الوفاء بالوعد، فلا يجوز التمسك بقولهم حتى يعلم تفصيل مذهبهم، وسيأتي شيء من ذلك عن بعض متأخري الحنفية.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥١٠) والترمذي (١٢٨٦) وابن ماجه (٢٢٤٣) من حديث عائشة ﵂. قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك، ونقل الترمذي عن البخاري تضعيفه. وصححه ابن حبان (١١٢٥، ١١٢٦ ــ موارد) والحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٥)، ووافقه الذهبي.
[ ١٨ / ٣٣٢ ]