١ - أن يستويا من كل وجه، كبيع درهم بدرهم مثله، ودينار بدينار مثله، وصاع بر بصاع بر مثله.
فلا يظهر في هذه ربًا، بل المعنى معنى القرض الصحيح، فتحريم مثل ذلك إذا وقع بلفظ البيع يحتاج إلى علة أخرى غير الربا.
٢ - أن يكون في المعجل زيادة لا يقابلها شيء في المؤجل، ويمكن تصحيح المعاملة بصيغة أخرى، كدرهمين نقدًا بدرهم مثل أحدهما نسيئةً.
فلا يظهر في هذه ربًا، بل المعنى معنى الهبة الصحيحة والقرض الصحيح، كأن صاحب الدرهمين وهب لصاحبه درهمًا، وأقرضه درهمًا، فتحريم مثل ذلك إذا وقع بلفظ البيع يحتاج إلى علة أخرى غير الربا.
ومثل هذا بيع دينار جديد نظيف نقدًا بدينار متَّسخٍ إلى أجل، وليس لصاحب الجديد غرضٌ في المتسخ، كأن ذهب إنسان بدينار جديد ليصرفه أو يكسره، فرآه آخر، فقال له: دع هذا الدينار الجديد النظيف لي، وأنا أعطيك دينارًا متسخًا غدًا، أو بعد غدٍ، فتبايعا.
فقد كان يمكنُ صاحبَ الجديد أن يقول لصاحبه: خذ هذا الدينار قرضًا إلى غدٍ، أو بعد غدٍ، وإذا قضيتَني دينارًا متسخًا فأنا أقبله منك.
٣ - كالثانية إلا إنه لا يمكن تصحيح المعاملة بصيغة أخرى، كأن يكون لك خاتم فضة، ولصاحب لك خاتم فضة دونه، فجاءك يومًا وليس
[ ١٨ / ٣٧٢ ]
معه خاتمه، ثم ألحَّ عليك أن تبيعه خاتمك بخاتمه، على أن تدفع إليه خاتمك، ثم يجيئك بخاتمه بعد أسبوع مثلًا.
٤ - أن يكون في كل من العوضين زيادةٌ تكافئ ما في الأخرى في القيمة، كصاعين من تمر رديء نقدًا بصاع من تمر جيد إلى شهر، وقيمة الرديء نقدًا في السوق صاع بدرهم، وقيمة الجيد في السوق إلى شهر صاع بدرهمين.
فهاتان الصورتان لا يظهر فيهما الربا، فلا بد للتحريم من علة أخرى.
ويظهر لي أن العلة في الأُولَيينِ هي تشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة.
ففي الأولى: عدل العاقدان عن صيغة القرض المرغَّبِ فيه شرعًا، المحمودِ عقلًا وعرفًا، إلى صيغة البيع الذي عُرِف ذمه في الشريعة، أعني الذهب بالذهب نسيئةً ونحوه.
وفي الثانية: عدلا عن الهبة والقرض المشروعين المحمودين المرغَّب فيهما، إلى صيغة بيع الذهب بالذهب نسيئةً ونحوه.
ويظهر له أن العلة في الأُخريَينِ هي الاحتكار، على ما يأتي إيضاحه في تعليل منع بيع واحد من الستة بأكثر منه من جنسه نقدًا. والله أعلم.
* * * *
[ ١٨ / ٣٧٣ ]