حديث المصراة رواية من رواه بلفظ التمر
قال الإمام البخاري- رحمه الله تعالى-:
١_حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال أبو هريرة ﵁، عن النبي فصلى الله عليه وسلم: "لا تصروا١ الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر"، وبذكر عن أبي صالح٢
_________________
(١) ١ قال الخطابي اختلف أحمل العلم واللغة في تفسير المصراة ومن أين أخذت واشتقت؟ فقال الشافعي: التصرية: أن يربط إخلاف الناقة والشاة، وتترك من الحلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرا، ويزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها فإذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو اثنين عرف أن ذلك ليس بلبنها وهذا غرور للمشتري. انظر مختصر المزني ص ٨٢. وقال أبو عبيد المصراة الناقة، أو البقرة، أو الشاة التي صري اللبن في ضرعها يعني حقن فيه وجمع أياما، فلم يحلب، وأصل التصرية حبس الماء وجمعه يقال منه صريت الماء، ويقال إنما سميت الصراةَ، كأنها مياه اجتمعت وقال أبو عبيد ولو كان من الربط لكان مصرورة أو مصررة قال الخطابي كأنه يريد به ردا على الشافعي تم قال قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح والعرب تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط. صرارا فإذا راحت حلت تلك الأصرة وحلبت. معالم السنن مع مختصرها للمنذريَ، كتاب البيوع ٥/ ٨٤، تحقيق محمد حامد الفقي. ولعل قول الخطابي أحسن ما قِيل في هذا المعنى لأنه كالجمع بين القولين لورودها عن العرب وقد مال ابن حجر إلى قول أبي عبيد فقال بعد ذكر القولين والأول أصح لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته وليس من صررت الشيء إذا ربطته إذ لو كان منه لقيل مصرورة أو مصررة ولم يقل مصراة على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب. فتح الباري: ٤/٣٦٢. ولعل الأصل كما قال الإمام الشافعي ﵀ لأن من أراد أن يجمع اللبن في ضرع الناقة فإنه يبدأ بربط إخلافها بالصرار الذي هو الخيط مع التواديَ فالخيط يسمى صرارا والأعواد تسمى التواديَ لئلا يرضعها ولدها هذا الغالب فلعل ما قال الإمام الشافعي هو الأصل لما ذكر والله أعلم.انظر اللسان في مادة صرر ٤/ ٢٤٣٠، وقد وجه الخطابي هذا فقال وقد يحتمل أن تكون المصراة أصله المصرورة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم تقضى البازي وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها ومن هذا قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ! أي اخملها بمنع الخير. وأصله دسستها ومثل هذا في الكلام كثير. معالم السنن مع مختصرها للمنذريَ٥/ ٨٤. ٢ أشار البخاري رحمه الله تعالى إلى اختلاف ألفاظ الحديث التي ورد بها فقوله عن أبي صالح يشير إلى ما رواه مسلم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شاة ٠٠مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر". صحيح مسلم كتاب البيوع، باب: ٧جـ٣ ص ١١٥٨، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١٢ ]
ومجاهد١، والوليد بن رباح٢ وموسى بن يسار٣ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "وصاع تمر". وقال بعضهم عن ابن سيرين "وصاعا من طعام وهو بالخيار ثلاثا"، وقال بعضهم عن ابن سيرين "وصاعا من تمر "ولم يذكر ثلاثا "والتمر" أكثر٤.
٢- وقال البخاري أيضًا حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن "أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تلقوا الركبان ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا ولا يبيع حاضرة لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" ٥.
٣- وقال أيضًا حدثنا محمد بن عمرو حدثنا المكي أخبرنا ابن جريج أخبرني زياد أن ثابتا مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "من اشترى غنما مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها
_________________
(١) ١ وقوله: ومجاهد إشارة إلى ما أحرجه الدارقطني عن يحي بن صاعد عن سوار بن عبد الله عن معتمر بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وأبي هريرة رفعا الحديث قال: "لا يبيع حاصر لباد ولا تلقوا السلع بأفواه الطرق، ولا تناجشوا، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يرد ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما في صحفتها، فإنما لها ما كتب لها ولا تبيعوا المصراة من الإبل والغنم، فمن اشتراها فهو بالخيار إن شاء ردها وصاعا من تمر، والرهن مركوب ومحلوب" السنن ٣/ ٧٤، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عمر وحده ٢ ا / ٤١٩، وقال الهيثمي وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد٤/٨٢. قلت: اختلفت أراء العلماء في ليث بن أبي سليم فقال الحافظ ابن حجر صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك، انظر التقريب:٢/١٣٨ وقال الذهبي: حسن الحديث ومن ضعفه فإنما ضعفه لاختلاطه بآخره ديوان الضعفاء ص ٩٥٢ وقال في الكاشف فيه ضعف يسير من سوء حفظه ٣/ ١٤٥.. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: أما رواية مجاهد فوصلها البزار. قال مغلطاي لم أرها إلا عنده ثم قال قلت قد وصلها أيضا الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن أبي نجيح،، والدارقطني من طريق ليث ابن أبي سليم كلاها عن مجاهد انظر: الفتح ٤/ ٣٦٣ ولم يشر إلى ما رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر مع إنني لم أعثر على ما ذكره عند البزار في كشف الأستار عن زوائد البزار ولا مما أشار إليه عند الطبراني في المطبوع من الأوسط ولا ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد. ٢ أما رواية الوليد بن رباح فقال الحافظ ابن حجر وصلها أحمد بن منيع في مسنده بلفظ (من اشترى مصراة فليرد معها صاعا من تمر) الفتح٤ /٣٦٣. ٣ وأما قوله وموسى بن يسار فأخرج روايته مسلم عن أبي هريرة بلفظ "من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها فإن رضي حلابها أمسكها وإلا ردها ومعها صاع من تمر" صحيح مسلم، كتاب البيوع بابحكم بيع المصراة ٣/ ١١٥٨. ٤ صحيح البخاريَ كتاب البيوع باب٦٤ جـ ٣ ص ٦٢، وقوله والتمر أكثر لأن أكثر رواياته بلفظ التمر عن أبي هريرة ﵁ والذين رووه بلفظ التمر هم: الأعرج، وابن سيرين كما في هذا الحديث وقد تقدم ما أشار إليه البخاري عن أبي صالح، ومجاهد، والوليد بن رباح وموسى بن يسار وقد زاد الحافظ ابن حجر على من تقدم ثابت ابن عياض عند البخاري في باب إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر وهمام بن منبه عند مسلم، كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة ٣/ ١١٥٩، وعظمة "أبا إسحاق عند الطحاوي شرح معاني الآثار ٤ /١٧، ١٨، ومحمد بن زياد عند الترمذي٤/ ٤٦٥ مع تحفة الأحوذي وأيضا عند الطحاوي ولم يذكر ذلك الحافظ ابن حجر ِوالشعبي عند أحمد، وابن خزيمة. الفتح ص ٣٦٤ ووجدت غير من لم يذكر الحافظ عبد الرحمن بن سعد عند الطحاوي ٤/ ١٨. ٥ صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ٦٤جـ٣ ص٦٢، ومسلم، كتاب البيوع، باب٤جـ٣ ص ١١٥٥ وزاد ولا تصروا الإبل، ومالك في الموطأ كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة٢ /٦٨٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١٣ ]
صاع من تمر" ١.
٤- وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها وقال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ما أحدكم اشترى لقحة٢ مصراة أو شاة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إما هي وإلا فليردها وصاعا من تمر" ٣.
٥- وقال أيضًا حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء" ٤.
رواية أنس بن مالك لحديث المصراة
٦- قال أبو يعلي حدثنا حميد بن مسعدة السامي حدثنا عرعرة بن البرند حدثنا إسماعيل المكي، عن الحسن عن أنس قال ﷺ: " لا تلامسوا٥ ولا تناجشوا٦ ولا تبايعوا الغرر٧، ولا يبيعنَّ حاضر لباد، ومن اشترى محفلة٨ فليحلبها ثلاثة أيام فإن ردها فليردها بصاع من تمر" ٩.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب: ٦٥جـ٣ص ٦٢، وأخرجه أيضا أبو داود، كتاب البيوع، باب من اشترى مصراة وكرهها. جـ٣ص٧٢٢. ٢ اللقحة الناقة القريبة العهد بالنتاج والجمع لقح وقد لقحت لقحا ولقاحا وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير٤/٢٦٢،ط المكتبة العلمية/بيروت. ٣ الصحيح كتاب البيوع، باب٧،٣/١١٥٩. ٤ الصحيح كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة ٣ / ١١٥٩، والنسائي كتاب البيوع، باب النهي عن المصراة ٧/٢٥٤. ٥ "لا تلامسوا" أي لا تبيعوا بالملامسة - والملامسة قيل في معناها أن يقول إذا لمست ثوبي ولمست ثوبك فقد وجب البيع وقيل هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه ثم يوقع البيع عليه. ونهي عنه لأنه غرر أو لأنه تعليق أو عدول عن الصيغة الشرعية وقيل معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعا للخيار ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم وهو غير نافذ. النهاية في غريب الحديث ٤/٢٧٠. ٦ "ولا تناجشوا": والأصل في النجش تنفير الصيد من مكان لآخر والمراد منه هنا أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها وقيل هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها. المرجع السابق:٥/٢١ وانظر: لسان العرب ٦/٤٣٥٣ط دار المعارف. ٧ والغرر من غره فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل وذكر له معاني كثيرة وقوله في الحديث ولا تبايعوا الغرر قال ابن الأثير هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. النهاية ٣/٣٥٥، وانظر: اللسان٥/٣٢٣٢. ٨ المحفلة الشاة أو البقرة أو الناقة لا يحلبها صاحبها أياما حتى يجتمع لبنها في ضرعها فإذا احتلبها المشتري حسبها غزيرة فزاد في ثمنها ثم ظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفيلها سميت محفلة، لأن اللبن حفل في ضرعها أي جمع. النهاية ١/ ٤٠٨. ٩ مسند أبي يعلي ٥/١٥٤،حديث ٢٧٦٧تحقيق حسين سليم وقال الهيثمي فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف وقد أورد الحافظ ابن حجر هذه الرواية في المطالب العالية وقال لأبي يعلى وزاد رواية أخرى عن أنس ولفظها " من اشترى محفلة فله أن يمسكها ثلاثًا فإن رضيها أمسكها وإن رد رد معها صاعًا من تمر " وقال للحارث"١ /٣٩٩. وأخرجه غير من تقدم البيهقي بلفظ: " من اشترى شاة محفلة فإن لصاحبها أن يحتلبها فإن رضيها فليمسكها وإلا فليردها وصاعا من تمر". السنن الكبرى٥/٣١٩، ولم يشر الحافظ إلى هذه الرواية، وفيها أيضا إسماعيل بن مسلم وأخرجه البزار بلفظ" أنه نهى عن بيع المحفلات وقال من ابتاعهن فهو بالخيار إذا حلبهن"كشف الأستار عن زوائد البزار٢/٨٩ ولم يذكر الحافظ هذه الرواية. وفيها إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. وقد رواه البيهقي عن الحسن مرسلا بلفظ من اشترى شاة مصراة أو لقحة مصراة فهو بأحد النظرين إما أن يردها وإناء من طعام أو يأخذها ثم قال: هذا هو المحفوظ مرسل. السنن الكبرى٥/٣١٩.
[ ١٤ ]
رواية ابن عمر
٧- قال الدارقطني: ثنا يحي بن صاعد نا سوار بن عبد الله العنبري، نا معتمر بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وأبي هريرة رفعا الحديث قال: "لا يبيع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع١ بأفواه الطرق ولا تناجشوا، ولا يسم٢ الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يرد، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفيء ما في صحفتها فإنما لها ما كتب لها ولا تبيعوا المصراة من الإبل والغنم فمن اشتراها فهو بالخيار إن شاء ردها وصاعا من تمر، والرهن مركوب ومحلوب" ٣.
رواية عمر بن عوف المزني لحديث المصراة
٨- وقال أيضًا حدثنا أبو طالب علي بن محمد بن أحمد بن الجهم، نا علي بن يزيد الفرائضي، نا الحنيني إسحاق بن إبراهيم، نا كثير بن عبد الله على أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "لا جلب٤ ولا جنب٥ ولا اعتراض٦ولا يبيع حاضر لباد، ولا تصروا
_________________
(١) ١ السلع الأمتعة التي تجلب للأسواق انظر: اللسان٣/٢٠٦٦. ٢ السوم المساومة وهي المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها والمنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة ويتقارب الانعقاد فيجيء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة ويخرجها من يد المشتري الأول بزيادة على ما استقر الأمر عليه بين المتساومين ورضيا به قبل الانعقاد فذلك ممنوع عند المقاربة لما فيه من الإفساد ومباح في أول العرض والمساومة. النهاية٢/٤٢٥. ٣ السنن: ٣/٧٤، وأخرجه الطبراني عن ابن عمر وحده. المعجم الكبير ١٢/٤١٩ وقال الهيثمي: فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: ٤/٨٢. ملاحظة على العيني في عمدة القارئ وهو أنه لم يذكر هذه الرواية عن ابن عمر وإنما ذكر رواية أبي داود التي فيها جمع بين عمير ثم ذكر ما قيل فيه من طعن حتى يرد قول من قال إن أبا هريرة لم يتفرد بهذا الحديث ولعله يقصد الحافظ ابن حجر. انظر: عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: ١١/٢٧٣، تصوير أمين دمبح. ٤ الجلب يكون في شيئين أحدهما: في الزكاة وهو أن يقدم المصدق على أهل الزكاة فينزل موضعا ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها فنهى عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. والثاني: أن يكون في السباق وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثا على الجري فنهى عن ذلك قال ابن الأثير في النهاية ١/٢٨١. ٥ "ولا جنب" الجنب بالتحريك في السباق أن يجنب فرسا إلى فرسه الذي يسابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب، وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة ثم يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر فنهوا عن ذلك وقيل هو أن يجنب رب المال بماله أي يبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه. المرجع السابق: ١/٣٠٣. ٦ الاعتراض: هو أن يعترض رجل بفرسه في السباق فيدخل مع الخيل المرجع السابق: ٣/٢١١.
[ ١٥ ]
الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو إذا حلبها بخير النظرين، إن رضيها أمسكها وإن سخط ردها وصاعا من تمر"
تابعه عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر في المصراة
حدث عنه داود بن عيسى١ وقال الحسن بن عمارة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم٢ وقال أبو شيبة عن أبي هريرة٣ وقال شعبة عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
٩- وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول حدثنا أبو عثمان عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: "من اشترى في شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر" ٥.
رواية حديث المصراة بلفظ الطعام
١- قال مسلم: حدثنا محمد بن عمر بن جبلة ابن أبي روّاد حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرد عن محمد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء" ٦.
_________________
(١) ١ هذه إشارة من الدارقطني إلى ما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير فقد قال داود بن عيسى عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ قال:" من اشترى شاة لدرتها حلبها ثلاثة أيام فهو بالخيار إن شاء أمسك وإلا رد صاعا من تمر" التاريخ الكبير ٣/٢٤٢، وفي سنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال الذهبي ضعفه ابن معين وقال البخاري وغيره منكر الحديث. الكاشف٢/٥. ملاحظة: لم يذكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية. ٢ لم أعثر على رواية الحسن بن عمارة التي أشار إليها الدارقطني عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي عن النبي ﷺ وإنما وجدت بهذا السند عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو عند أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن الكبرى وسيأتي عند رواية من روى هذا الحديث بلفظ الطعام. ٣ لعله يريد أبا بكر بن أبي شيبة ورواية أبي هريرة هي الأصل في حديث المصراة. ٤ هي التي تقدمت الإشارة إليها في هامش (٢) سنن الدارقطني: ٣/٧٥ ولم يشر الحافظ ابن حجر إلى رواية الدارقطني وإنما قال أخرجه البيهقي في الخلافيات. انظر: الفتح: ٤/٣٦٥، وفي سند هذا الحديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال فيه الذهبي رواه وقال أبو داود كذاب. الكاشف:٣/٥. ٥ صحيح البخاري كتاب البيوع باب ٦٤جـ٣ص٦٢ هكذا رواه البخاري موقوفا على ابن مسعود وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رواه الأكثر عن معتمر بن سليمان موقوفا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ عن معتمر مرفوعا وذكر أن رفعه غلط ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا حديث المحفلة موقوف من كلام ابن مسعود، وخالفهم الأحمر عن سليمان التيمي فرواه بهذا الإسناد مرفوعا، وأخرجه الإسماعيلي، وأشار إلى وهمه أيضًا. فتح الباري:٤/٣٦٨. ٦ الصحيح، كتاب البيوع باب حكم بيع المصراة ٣/١١٥٨ والترمذي في البيوع، باب ما جاء في المصراة ٤/٤٥٧ مع تحفة الأحوذي والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب مدة الخيار في المصراة ٥/٣٢٠ كلهم رووه عن طريق قرة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ورواه أبو داود عن طريق بن حماد بن سلمة عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁. السنن كتاب البيوع، باب من اشترى مصراة ٣/٧٢٧، وكذلك الدارقطني. انظر السنن ٣/٧٤، وكذلك الطبراني في الأوسط: ٣/٢٠٢، وأيضا البيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع باب الحكم فيمن اشترى مصراة ٥/٣١٨.
[ ١٦ ]
٢- وقال أحمد: حدثنا عبد الواحد عن عوف عن خلاس بن عمرو ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من اشترى لقحة أو شاة مصراة فحلبها فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها وإناء من طعام" ١.
٣- وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن طلحة قال سمعت ابن أبي ليلى يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يتلقى جلب ولا بيع حاضر لباد ومن اشترى شاة مصراة أو ناقة فهو بآخر النظرين إذا هو حلب إن ردها رد معها صاعا من طعام قال الحكم أو صاعا من تمر" ٢.
٤- وقال أبو داود: حدثنا أبو كامل، حدثنا عبد الواحد حدثنا صدقة ابن سعيد عن جميع بن عمير التيمي، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسوِل الله ﷺ: "من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها مثل أو مثلى لبنها قمحاَ" ٣.
أما روايات الخيار بثلاثة أيام
١- ففي صحيح مسلم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر" ٤
٢- وعنده أيضًا عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء" ٥.
_________________
(١) ١ المسند ٢/٢٥٩، وأخرجه أيضا البيهقي في السنن الكبرى:٥/٣١٨ عن محمد بن سيرين دون ذكر خلاس. ٢ انظر: ترتيب المسند للساعاتي ١٥/٦١، وأخرجه ابن أبي شيبة واقتصر على قوله:" من اشترى "إلى آخره المصنف ٦/٥٩٦، والبيهقي، السنن الكبرى كتاب البيوع، باب حكم فيمن اشترى مصراة:٥/٣١٩. وقال البيهقي: "وصاعا من طعام أو صاعا من تمر" ثم قال: قال الشيخ يحتمل أن يكون هذا شكا من بعض الرواة فقال صاعا من هذا أومن ذاك لا أنه من وجه التخيير ليكون موافقا للأحاديث الثابتة في هذا الباب والله تعالى أعلم. ملاحظة: ذكر ابن الإمام ابن حجر رواية أحمد ولم يشر إلى رواية ابن أبي شيبة ولا رواية البيهقي وتبعه الساعاتي في الفتح الرباني فقال لم أقف عليه لغير الإمام أحمد. وسند هذا الحديث صحيح لأن ابن أبي شيبة رواه عن وكيع عن شعبة الخ ورواه البيهقي عن يزيد بن هارون عن شعبة الخ، وسند أحمد كما تقدم. ٣ السنن تحقيق الدعاس، باب من اشترى مصراة وكرهها ٣/٧٢٧، وابن ماجة: ٢/٧٥٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي وفي سنده جميع بن عمير التيمي قال الذهبي أتهم بالكذب ديوان الضعفاء والمتروكين ص٤٦، وقال المنذري: قال الخطابي: ليس إسناده بذلك والأمر كما قال فإن جميع بن عمير قال ابن نمير هو من أكذب الناس وقال ابن حبان كان رافضيا يضع الحديث. مختصر السنن:٥/٨٩، وقال في هذا الحديث ابن قدامة " إنه مطرح الظاهر بالاتفاق إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها قمحا ثم قد شك فيه الراوي وخالفته الأحاديث الصحاح فلا يعول عليه". المغني:٤/١٥٢، تحقيق محمد سالم محيسن، وشعبان محمد إسماعيل. ٤ صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب ٧جـ٣ص١١٥٨، وتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ٥ المرجع السابق وقد تقدم من أخرجه غير مسلم.
[ ١٧ ]
٣- وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جميع بن عمير التيمي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: "من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها مثل أو مثلى لبنها قمحًا" ١.
٤- وأخرت البخاري في التاريخ الكبير عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "من اشترى شاة لدرتها حلبها ثلاثة أيام فهو بالخيار إن شاء أمسك وإلا رد صاعا من تمر" ٢.
٥- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تلامسوا ولا تناجشوا ولا تبايعوا الغرر ولا يبيعن حاضر لباد ومن اشترى محفلة فليحلبها ثلاثة أيام فإن ردها فليردها بصاع من تمر" ٣.
هذه روايات الخيار في الحديث
وقال الخطابي وقد أخذ كل واحد من مالك، وأبي حنيفة بطرف من الحديث وترك الطرف الآخر، فقال أبو حنيفة لا خيار أكثر من ثلاث واحتج بهذا الحديث ولم يقل برد الصاع وقال مالك برد الصاع ولم يأخذ بالتوقيف في خيار الثلاث وصار إلى أن يرد متى وقف على العيب كان ذلك بعد الثلاث أو قبلها فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه وقال بجملة ما فيه٤.
ثم قال: وقاد اختلف الناس في مدة الخيار المشروط في البيعَ فقال أبو حنيفة لا يجوز أكثر من ثلاث وهو قول الشافعي.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد قليله وكثيره جائز.
وقال مالك: هو على قدر الحاجة إليه فخيار الثوب يوم ويومان. وفي الحيوان أسبوع ونحوه، وفي الدور شهر وشهران وفي الضيعة سنة ونحوها٥.
قال الباجي في الخيار وقوله ﷺ: " فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها " قال محمد له الرد بعد أن يحلب مرتين فإن حلب ثلاثا لزمته وقال ابن القاسم لما سئل أيردها بعد الثالثة إذا رأىَ من ذلك ما يعلم أنه قد اختبرها قبل ذلك فما حلب بعد ذلك منع الرد، قال القاضي أبو الوليد ﵁ والأظهر عندي إنه يكون الخيار بعد الثلاثة٦.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود تحقيق الدعاس، كتاب البيوع، باب من اشترى مصراة وكرهها ٣/٧٢٧ وسنن ابن ماجة ٢/٧٥٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي وتقدم ما قيل فيه. في ص١٧. ٢ التاريخ الكبير: ٣/٢٤٢ وتقدم الكلام عليه ص١٦ هامش (١) . ٣ مسند أبي يعلي جـ٢٧٦٧، ٥/١٥٤، تحقيق حسين سليم وتقدم ما قيل فيه. ٤ معالم السنن مع المختصر للمنذري: ٥/٨٨. ٥ المرجع السابق ص٨٩، وانظر: المنتقي شرح الموطأ الإمام مالك للباجي ٥/٥٦. ٦ المنتقي للباجي ٥/١٠٥.
[ ١٨ ]
وعند الحنابلة في الخيار قولان:
أحدهما: للقاضي وهو أن مدة الخيار مقيدة بثلاثة أيام ليس له الرد قبل مضيها ولا إمساكها بعدها وهذا القول لأحمد وأصحاب الشافعي.
القول الثاني: لأبي الخطاب وهو أنه متى ثبتت التصرية جاز له الرد قبل الثلاثة أو بعدها لأنه تدليس يثبت الخيار فملك الرد به إذا تبينه كسائر التدليس ثم قال وهذا قول ابن المنذر، وأبي حامد من أصحاب الشافعي وحكاه عَن الشافعي نصا لظاهر حديث رسول الله ﷺ فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة كلها وعلى قول القاضي: "لا يثبت الخيار في شيء منها وإنما يثبت عقبها وقول أبي الخطاب يسوي بين الأيام الثلاثة وبين غيرها والعمل بالخبر أولى، والقياس ما قال أبو الخطاب لأن الحكم كذلك في العيوب وسائر التدليس" ١.
وقال النووي في الروضة ويثبت به- أي تدليس التصرية- الخيار للمشتري وفي خياره وجهان أصحهما: أنه على الفور، والثاني: يمتد إلى ثلاثة أيام٢.
ولعل الأرجح ما ذهب إليه القاضي والقول الثاني الذي ذكره النووي لأن صاحب الشاة أو الناقة قد ينكر أنها مصراة ولا يتضح أنها مصراة إلا بعد حلبها ثلاثة أيام كما هو نص الحديث والله تعالى أعلم.
"موقف العلماء من حديث المصراة"
اختلف العلماء من هذا الحديث في مسائل:
الأولى: حكم المصراة، الثانية: مده الخيار، وتقدمت في رواية الخيار بثلاثة أيام، الثالثة: هل يتعدى حكم المصراة إلى غير الإبل والغنم، الرابعة: هل يتعين الصاع من التمر أو تجوز قيمته وهل يجزئ غير التمر من أنواع الأطعمة الأخرى.
** المسألة الأولى: الأقوال في حكم المصراة **
القول الأول: أخذ بظاهر هذا الحديث:
جمهور أهل العلم وهو قول: "مالك، والشافعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وأبي عبيد، وأبي ثور"٣.
_________________
(١) ١ المغني: ٤/١٥٤. ٢ الروضة: ٣ / ٤٦٦. ٣ انظر: معالم السنن للخطابي مع مختصرها للمنذري ٥/٨٦، تحقيق أحمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، ط دار المعرفة /بيروت.
[ ١٩ ]
وأفتى به ابن مسعود، وأبو هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة ﵃ وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده ولم يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلا أو كثيرا ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا١.
القول الثاني: عدم الأخذ بالحديث وهو رأي الإمام أبي حنيفة وروى عن مالك، وقد اعتذروا عن عدم الأخذ به بأمور منها:
١- ما يرجع إلى راوي الحديث الذي هو أبو هريرة لأنه ليس بفقيه.
٢- ما يعود إلى الحديث لأنه مضطرب.
٣- معارضته للقرآن الكريم.
٤- القول بنسخ الحديث.
٥- أنه حديث مخالف لقياس الأصول المعلومة، وما كان كذلك لا يلزم العمل به- ثم قسمه ابن دقيق العيد إلى مقامين:
أما الأول: وهو أنه مخالف لقياس الأصول فمن وجوه:
أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المثليات بالمثل وضمان المقومات بالقيم من النقدين وهاهنا إن كان اللبن مثليا كان ينبغي ضمانه بمثله لبنا وإن كان متقوما ضمن بمثله من النقدين وقد وقع هاهنا مضمونا بالتمر فهو خارج عن الأصلين جميعا.
الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف وذلك مختلف فقدر الضمان لكنه قدر هاهنا بمقدار واحد وهو الصاع مطلقا فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها ووصفها.
الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة وذلك مانع من الرد كما لو ذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب فإنه يمنع الرد وإن كان هذا اللبن حادثا بعد الشراء فقد حدث على ملك المشتري فلا يضمنه وإن كان مختلطا فما كان موجودا منه عند العقد منع الرد وما كان حادثا لم يجب ضمانه.
الرابع: إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط نحالف للأصول فإن الخيارات الثابتة بأصل الشرع من غير شرط لا تتقدر بالثلاث كخيار العيب وخيار الرؤية عند من يثبته وخيار المجلس عند من يقول به.
الخامسة: يلزم من القول بظاهره الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض الصور وهو إذا ما كانت قيمة الشاة صاعا من تمر فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها.
_________________
(١) ١ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ٤/ ٣٦٤/ ط/ السلفية.
[ ٢٠ ]
السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور وهو ما إذا اشترى شاة بصاع فإذا استرد معها صاعا من تمر فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن فيكون قد باع صاعا وشاة بصاع وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم فإنكم تمنعون مثل ذلك.
السابع: إذا كان اللبن باقيا لم يكلف رده عندكم فإذا أمسكه فالحكم كما لو تلف فيرد الصاع وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها كالمغصوب وسائر المضمونات.
الثامن: قال بعضهم أنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط لأن نقصان اللبن لو كان عيبا لثبت به الرد من غير تصرية ولا يثبت الرد في الشرع إلا بعيب أو شرط.
وأما المقام الثاني:
وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفا لقياس الأصول المعلومة لم يجب العمل به فلأن الأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع وخبر الواحد مظنون والظنون لا يعارض المعلوم١.
الإجابة
وقد أجاب الأئمة عن هذه الاعتراضات بما يأتي:
١- أما الاعتراض بأنه من رواية أبي هريرة وهو ليس بفقيه فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، فقال الحافظ ابن حجر وهو كلام آذى قائله به نفسه وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر٢ ومن نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة٣ وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة
_________________
(١) ١ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/١١٩ - ا ٢ ١، وعمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني١ /٢٧٣، الناشر أمين دمبح. ٢ حديث الوضوء بالنبيذ أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الود بالنبيذ، مختصر السنن: ١/ ٨٢ والترمذي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ ١/ ٢٩١ مع تحفة الأحوذي وابن ماجة كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ ١/ ١٣٥، وأخرجه الإمام أحمد في عدة مواضع من السند١ /٣٩٨، وغيرها كلهم رووه عن طريق أبي فزاره عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن ما في أدواتك قال نبيذ قال تمرة طيبة وماء طهور، قال الترمذي وإنما يروي هدا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي ﷺ وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث. سنن الترمذي مع التحفة١ /٢٩٢ وقال أبو زرعة حديث أبي فزارة ليس بصحيح وأبو زيد مجهول. علل أبديت١/ ١٧، وقال الطحاوي إن حديث عبد الله بن مسعود روي من طرق لا تقوم بمثلها حجة. شرح معاني الآثار١ /٩٥، وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية قال ابن حيان في الضعفاء. أبو زيد شيخ يروي عن أبو مسعود ليس يدري من هو ولا أبوه ولا بلده ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه ١٠/ ١٣٨/ ط/ دار المأمون/ القاهرة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال:"لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ وددت أني كنت معه" صحيح مسلم:١/ ٣٣٢، ٣٣٣ فهذامما يزيد في ضعف الحديث وإن كانت العلة المذكورة كافية. واللَه تعالى أعلم. ٣ أما حديث القهقهة فقد رواه الدارقطني بأسانيد لم يصح منها شيء ذكر ذلك الدارقطني انظر: ١/ ١٦١ -١٧٥، وقال ابن حجر: " روى ابن عدي عن أحمد بن حنبل فال: ليس في الضحك حديث صحيح وحديث الأعمى الذي وقع في البئر مداره على أبي العالية وقد اضطرب فيه عليه" التلخيص الحبير: ١/١١٥.
[ ٢١ ]
بالحديث، ثم إن ابن مسعود ﵁ قد أفتى بذلك كما هو ثابت في صحيح البخاري كما تقدم فلو لم يكن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك وقال: قال ابن السمعاني: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة وقد أختص أبو هريرة ﵁ بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله ﷺ له- يعني المتقدم في كتاب العلم وفي أول البيوع- وفيه قوله: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله ﷺ فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا الحديث"١.
ثم مع ذلك لم ينفرد أبو هريرة بهذا الأصل فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه، وأبو يعلى من حديث أنس، وأخرجه البيهقي في الخلافيات عن عمرو ابن عوف المزني وأخرجه أحمد من رواية رجل من الصحابة لم يسم٢ ثم قال: قال ابن عبد الله:هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها.
٢- وأما قولهم بأنه مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى واعتباره بالصاع تارة وبالمثل أو المثلين تارة وبالإناء أخرىَ.
فالجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها كما تقدم والضعيف لا يعل به الصحيح.
٣- وأما قولهم بأنه معارض لعموم القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٣ فأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات والمتلفات تضمن بالمثل وغير المثل.
٤- وأما قولهم بأن الحديث منسوخ وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا دلالة على النسخ مع مدعيه لأنهم اختلفوا في الناسخ:
(أ) فقد قال الطحاويَ قال محمد بن شجاع فيما أخبرني عنه ابن أبي عمران، نسخه قول رسول الله ﷺ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فلما قطع رسول الله ﷺ بالفرقة الخيار ثبت
_________________
(١) ١وهو قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه قال: " أبسط رداءك" فبسطته قال فغرف بيديه ثم قال:" ضمه "فضممته فما نسيت شيئا بعده. صحيح البخاري: ١/٢٩، ٣ /٤٦ ٢تقدم من أخرج هذه الأحاديث غير من أشار إليه الحافظ بن حجر وما قيل فيها من الصحة والضعف فليراجع هناك. ٣ سورة النحل آية: ١٢٦.
[ ٢٢ ]
بذلك أنه لا خيار بعدها إلا لمن استثناه رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلا بيع الخيار١ ثم قال وهذا التأويل عندي فاسد لأن الخيار المجعول في المصراة إنما هو خيار عيب وخيار العيب لا يقطعه الفرقة.
ألا ترى أن رجلا لو اشترى عبدا فقبضه، وتفرقا، ثم رأى به عيبا بعد ذلك أن له رده على بائعه باتفاق المسلمين لا يقطع ذلك التفرق الذي روي عن رسول الله ﷺ!.
فكذلك المبتاع للشاة المصراة فإذا قبضها فاحتلبها، فعلم أنها على غير ما كان ظهر له منها وكان ذلك لا يعلمه في احتلابه مرة ولا مرتين جعلت له في ذلك هذه المدة وهي ثلاثة أيام. حتى يقف على حقيقة ما هي عليه فإن كان باطنها كظاهرها، فقد لزمته واستوفى ما اشترى وإن كان ظاهرها بخلاف باطنها فقد ثبت العيب ووجب له ردها به.
(ب) ثم قال: وقال عيسى بن أبان: كان ما روي عن النبي ﷺ من الحكم في المصراة، بما في الآثار الأول في وقت ما كانت العقوبات في الذنوب يؤخذ بها المال فمن ذلك ما قد روي عن رسول الله ﷺ في الزكاة أنه من أداها طائعا، فله أجرها وإلا أخذناها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ﷿.
ومن ذلك ما روي عنه في حديث عمرو بن شعيب في سارق التمرة التي لم تحرز فإنه يضرب جلدات ويغرم مثليها.
قال فلما كان الحكم في أول الإسلام كذلك حتى نسخ الله الربا أفردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كانت لها أمثال وإلى قيمتها إن كانت لا أمثال لها٢ رد هذا بأن التصرية من فعل البائع فلو كان من ذلك الباب للزمه التغريم والفرض أن حديث المصراة يقتضي تغريم المشتري فافترقا٣.
(ج) وقال الطحاوي بعد ما ذكر قول عيسى بن أبان وأني رأيت في ذلك وجها هو أشبه عندي بنسخ هذا من ذلك الوجه الذي ذهب إليه عيسى وذلك أن لبن المصراة الذي احتلبه المشتريَ منها في الثلاثة الأيام التي احتلبها فيها قد كان بعضه في ملك البائع قبل الشراء وحدث بعضه في ملك المشتريَ بعد الشراء إلا أنه احتلبها مرة بعد مرة فكان ما كان في يد البائع من ذلك مبيعا إذا أوجب نقض البيع في الشاة وجب نقض البيع فيه وما حدث في يد المشتري من ذلك فإنما كان ملكه بسبب البيع أيضا وحكمه حكم الشاة لأنه من بدنها
_________________
(١) ١ ملاحظة: الغريب أن الذين ينكرون حديث المصراة لا يقولون بخيار المجلس وهنا يحتجون به ويقولون إنه نسخ حديث المصراة فيحتجون به فيما لم يرد فيه انظر فتح الباري: ٤/٣٦٥. ٢ شرح معاني الآثار: ٤/٢٠.
(٢) فتح الباري: ٤/٣٦٥.
[ ٢٣ ]
هذا على مذهبنا وكان النبي ﷺ قد جعل لمشتري المصراة بعد ردها جميع لبنها الذي حلبه منها بالصاع من التمر الذي أوجب عليه رده مع الشاة وذلك اللبن حينئذ قد تلف أو تلف بعضه فكان المشتري قد ملك لبنا دينا بصاع تمر دين فدخل ذلك في بيع الدين بالدين ثم نهى رسول الله ﷺ عن بيع الدين بالدين فنسخ ذلك ما كان تقدم منه مما روى عنه في المصراة مما حكمه حكم الدين١.
أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا بقوله بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين٢ وعلى التنزل فالتمر إنما شرع في مقابل الحلب سواء أكان اللبن موجودا أو غير موجود فلم يتعين في كونه من الدين بالدين٣ (٣) .
(د) وقيل ناسخه حديث الخراج بالضمان قال الطحاوي قد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الخراج بالضمان" وعملت بذلك العلماء ثم سرد روايات الحديث ثم قال وزعمت أنت أن رجلا لو اشترى شاة فحلبها ثم أصاب بها عيبا غير التحفيل أنه يردها ويكون اللبن له وكذلك لو كان مكان اللبن ولد ولدته ردها على البائع وكان الولد له وكان ذلك عندك، من الخراج بالضمان الذي جعله النبي ﷺ للمشتري بالضمان٤ (٤) وقال الحافظ ابن حجر في
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار للطحاوي ٤/ ١٩، ٢٠،٢١. ٢ قال الشوكاني صححه الحاكم وقال على شرط مسلم وتعقب بأنه انفرد به موسى بن عبيدة الربذيِ كما قال الدارقطني وابن عديَ وقد قال فيه أحمد: لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث عن غيره وليس في هذا حديث يصح ولكن إجماع الناس على أنه لا يجور بيع الدين بالدين وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ "ثم قال ولكن في إسناده موسى المذكور فلا يصلح شاهداَ" نيل الأوطار٦ /٢٩٣، هذا وقد أخرجه الحاكم عن موسى بن عقبة عن نافع، ومن طريقه أيضًا عن عبد الله بن دينار وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه وقال الذهبي:فيه ذوئيب ابن عمامة واه. المستدرك. ٢/٥٧، وقال البيهقي: وموسى هذا هو ابن عبيدة الربذي وشيخنا أبو عبد الله قال في روايته عن موسى بن عقبة وهو خطأ والعجب من أبي الحسن الدارقطني شيخ عصره روى هذا الحديث في كتاب السنن عن أبي الحسن علي بن محمد المصري فقال عن موسى بن عقبة وشيخنا أبو الحسين رواه لنا عن أبي الحسن المصري في الجزء الثالث من سنن المصري فقال عن موسى غير منسوب ثم أردفه المصري بما أخبرنا أبو الحسين أنا أبو الحسن ثنا أحمد بن داود ثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي عبد العزيز الربذي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ "- وأبو عبد العزيز هو موسى بن عبيدة- السنن الكبرى: ٥ / ٢٩٠، وأخرجه الطحاوي عن موسى بن عبيدة الربذي كذلك شرح معاني الآثار: ٤/ ٢١، والدارقطني عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ورواه أيضا عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار وهي رواية الحاكم السابقة، وقد تقدم قول البيهقي في ذلك. انظر: سنن الدارقطنىِ: ٣/ ٧١، ٧٢. ٣ انظر. فتح الباري: ٤/ ٣٦٥. ٤ شرح معاني الآثار: ٤/ ٢١، ٢٢.
[ ٢٤ ]
الجواب عن هذا وتعقب بأن حديث المصراة أصح منه باتفاق١ (١) فكيف يقدم المرجوح على الراجح. ودعوى كونه بعده لا دليل عليه. وعلى التنزل فالمشتري لم يؤمر بغرامة ما حدث في ملكه بل بغرامة اللبن الذي ورد عليه العقد ولم يدخل في العقد فليس بين الحديثين تعارض٢.
٥- قال ابن دقيق العيد:وقولهم أنه مخالف للأصول فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول ومخالفة قياس الأصول وخص الرد لخبر الواحد بالمخالفة في الأصول لا بمخالفة قياس الأصول وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول وفيه نظر ثم قال وسلك آخرون تجريح جميع هذه الاعتراضات والجواب عنها:
أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين على ما ذكرتموه- يعني أن ضمان المثليات بالمثل وضمان المقومات بالقيم من النقدين- فإن الحر يضمنِ بالإبل وليست بمثل له ولا قيمة: والجنين يضمن بالغرة وليست بمثل له ولا قيمة، وأيضًا فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة وهاهنا تعذرت: أما الأول: فمن أتلف شاة لبنونا كان عليه قيمتها مع اللبن ولا يجعل بازاء لبنها لبن آخر لتعذر المماثلة. وأما الثاني: وهو أنه تعذرت المماثلة هاهنا فلأن ما يرده من اللبن عوضًا عن اللبن التالف لا يتحقق مماثلته له في المقدار ويجوز أن يكون أكثر من اللبن الموجود حالة العقد أو أقل.
أما الاعتراض الثاني: وهو قولهم أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان بقدر التالف وذلك مختلف فقدر الضمان مختلف لكنه قدر هاهنا بمقدار واحد وهو الصاع مطلقا- قيل في جوابه:إن بعض الأصول لا يتقدر بما ذكرتموه كالموضحة فإن أرشها
_________________
(١) ١ وذلك لأن حديث المصراة مخرج في الصحيحين وغيرهما كما تقدم. وحديث الخراج بالضمان أخرجه أبو داود عن عائشة، كتاب البيوع باب من اشترىَ عبدا فاستعمله ثم وجد به عيا. ٣ /٧٧٧، والترمذي كتاب البيوع باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيبا ٤/٥٠٧ مع التحفة وحسنه وأخرجه من طريق أبي سلمه يحي بن خلف عن عمر بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وقال هذا حديث صحيح غريب من حديث هشام ابن عروة واستغرب محمد بن إسماعيل هدا الحديث من حديث عمر بن علي وقد رواه مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة ورواه جرير عن هشام أيضاَ وحديث جرير يقال تدليس دلس فيه جرير لم يسمعه من هشام بن عروة. وأخرجه ابن ماجة عن طريق الترمذي وأبي داود حديث رقم ٢٢٤٢، ٢٢٤٣، والنسائي، كتاب البيوع باب الخراج بالضمان ٧/ ٢٥٤. وقد ذكر الألباني من أخرجه وحكم عليه بالحسن في إرواء الغليل حديث رقم٥ ١٣١ وقال ابن القيم: "وأما قولكم "الخراج بالضمان" فهذا الحديث وإن كان قد روي فحديث المصراهَ أصح منه باتفاق أهل العلم قاطبة فكيف يعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث والغلة لم يكن موجودا حال البيع وإنما حدث بعد القبض، وأما اللبن هاهنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع فضمانه هو مخص العدل والقياس" إعلام الموقعين: ٢/٣٩. ٢ فتح الباري: ٤/ ٣٦٥.
[ ٢٥ ]
مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر: والجنين مقدر أرشه ولا يختلف بالذكورة والأنوثة واختلاف الصفات والحر ديته مقدرة وإن اختلف بالصغر والكبر وسائر الصفات والحكمة فيه أن ما يقع فيه من التنازع والتشاجر يقصد قطع النزاع فيه بتقديره بشيء معين وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة١.
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى معللا لما تقدم: "فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري ولو عرف مقداره فوكل إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لأفضى إلى النزاع والخصام فقطع الشارع النزاع والخصام وقدره بحد لا يتعديانه فصلا للخصومة وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن فإنه كان قوتهم إذ ذلك كاللبن وهو مكيل كاللبن ومقتات، فاشتركا في كون كل واحد مطعوما مقتاتا مكيلا واشتركا أيضًا في أن كلا منهما يقتات به بغير صنعة ولا علاج"٢.
أما الاعتراض الثالث: وهو أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة وذلك مانع من الرد-.. الخ فجوابه أن يقال متى يمتنع الرد بالنقص إذا كان النقص لاستعلام العيب أو إذا لم يكن الأول ممنوعًا والثاني مسلمًا وهذا النقص لاستعلام العيب فلا يمتنع الرد.
أما الاعتراض الرابع: وهو إثبات الخيار ثلاثا من غير شرط مخالف للأصول.. الخ الجواب عنه: "إنما يكون الشيء مخالفا لغيره إذا كان مماثلا له وخولف في حكمه وهاهنا هذه الصورة انفردت عن غيرها فإن الغالب أن هذه المدة حسي التي يتبين بها لبن الجبلة المجتمع بأصل الخلقة واللبن المجتمع بالتدليس فهي مدة يتوقف علم الغيب عليها غالبا بخلاف خيار الرؤية والعيب فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيهما وخيار المجلس ليس لاستعلام عيب"٣، وقال الحافظ ابن حجر موضحا لهذا القول: إن حكم المصراة انفرد بأصله عن مماثلة غيره فلا يستغرب أن ينفرد بوصف زائد على غيره"٤.
أما الاعتراض الخامس: وهو قولهم يلزم من القول بظاهر الحديث الجمع بين الثمن والمثمن للبائع في بعض الصور الخ.
والجواب عنه: قيل فيه أن الخبر وارد على العادة والعادة أن لا تباع شاة بصاع وفي هذا ضعف: وقيل أن صاع التمر بدل عن اللبن لا عن الشاة فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.
_________________
(١) ١ انظر: إحكام الأحكام: ٣/١٢١. ٢ فتح الباري: ٤/٣٦٦. ٣ إحكام الأحكام: ٣/١٢٢. ٤ فتح الباري: ٤/٣٦٦.
[ ٢٦ ]
أما الاعتراض السادس: وهو أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور وهو ما إذا اشترى شاة بصاع فإذا استرد معها صاعا من تمر فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن الخ.
والجواب عنه: أن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسوخ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة لم يجز أن يفترقا قبل القبض ولو تقابلا في هذا العقد لجاز أن يفترقا قبل القبض.
أما الاعتراض السابع: وهو قوهم إذا كان اللبن باقيا لم يكلف رده عندكم الخ.
الجواب عنه: إن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد وأحدهما للباب والآخر للمشتري وتعذر الرد لا يمنع من الضمان مع بقاء العين كما لو غصب عبدا فأبق فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه لتعذر الرد١.
أما الاعتراض الثامن: وهو قولهم أنه أثبت الرد من غير عيب ولا شرط الخ.
قال الحافظ ابن حجر: "الجواب أن الخيار يثبت بالتدليس كمنِ باع رحى دائرة بما جمعه له بغير علم المشتري فإذا اطلع عليه المشتري كان له الرد، وأيضًا فالمشتري لما رأى ضرعا مملوءا لبنا ظن أنه عادة لها فكأن الباب شرط له ذلك فتبين الأمر بخلافه فثبت له الرد لفقد الشرط المعنوي لأن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا أظهر المشتري على صفة فبان الأمر بخلافها كان قد دلس عليه فشرع له الخيار وهذا هو مخص القياس ومقتضى العدل فإن المشتري إنما بذل ماله بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، وقد أثبت الشارع الخيار للركبان إذا تلقوا واشترىَ منهم قبل أن يهبطوا إلى السوق ويعلموا السعر وليس هناك عيب ولا خلف في شرط ولكن لما فيه من الغش والتدليس"٢.
قال ابن دقيق العيد: "وأما المقام الثاني وهو النزاع في تقديم قياس الأصول على خبر الواحد فقيل فيه أن خبر الواحد أصل بنفسه يجب اعتباره لأن الذي أوجب اعتبار الأصول نص صاحب الشرع عليها وهو موجود في خبر الواحد فيجب اعتباره وأما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع وكون خبر الواحد مظنونا فتناول الأصل لمحا خبر الواحد غير مقطوع به لجواز استثناء محل الخبر عن ذلك الأصل وعندي إن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارات عن المقام الأول"٣.
وقال الخطابي: "والأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله ﷺ وجب القول به وصار أصلا في نفسه وعلينا قبول الشريعة المبهمة كما علينا قبول الشريعة المفسرة والأصول إنما
_________________
(١) ١ انظر: ما تقدم عند ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام ٣/١٢٢، ١٢٣. ٢ فتح الباري: ٤/٣٦٧. ٣ إحكام الأحكام: ٣/١٢٣.
[ ٢٧ ]
صارت أصولا لمجيء الشريعة بها وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا الطريق فالقول به واجب وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له"١.
وقال الحافظ: "ابن حجر والأصول الكتاب والسنة والإجماع والقياس والكتاب والسنة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان إليهما فالسنة أصل والقياس فرع فكيف يرد الأصل بالفرع بل الحديث الصحيح أصل بنفسه فكيف يقال أن الأصل يخالف نفسه وعلى تقدير التسليم يكون قياس الأصول يفيد القطع وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فتناول الأصل لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به لجواز استثناء محله عن ذلك الأصل"٢.
ثم قال: "قال ابن السمعاني: متى ثبت الخبر صار أصلا من الأصول ولا يحتاج إلى عرضه على أصلَ آخر لأنه إن وافقه فذاك وإن خالفه فلا يجوز رد أحدهما لأنه رد للخبر بالقياس وهو مردود باتفاق فإن السنة مقدمة على القياس بلا خلاف إلى أن قال والأولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة لكنها ليست لازمة لأن السنة الثابتة مقدمة عليها والله تعالى أعلم"٣.
وقال ابن القيم:"والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها ولو خالفها لكان أصلا بنفسه كما أن غيره أصل بنفسه وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله ﷺ أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض بل يجب اتباعها كلها ويقر كل منها على أصله وموضعه فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح"٤.
قلت: ولا يخفى ما في هذه الاعتراضات التي اعترض بها على حديث المصراة من التكلف وعسف الأدلة فالواجب على كل منصف أن يقف مع النص ولا يتعداه إلى غديره لأنه جاء عن من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهو الذي أصل الأصول وبن الحلال من الحرام وقد أمر الله تعالى باتباعه وحذر عن مخالفة أمره عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦
_________________
(١) ١ معالم السنن: ٥/ ٨٦ مع مختصر المنذري. ٢ انظر: الفتح: ٤/ ٣٦٦. ٣ المصدر السابق: ٤/ ٣٦٦. ٤ أعلام الموقعين:٢/ ٣٨. ٥ سورة آل عمران آية: ٣١. ٦ سورة النور آية: ٦٣.
[ ٢٨ ]
فالخير في الاتباع والشر في مخالفة النصوص وضرب بعضها ببعض.
أما ما ذكر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه لم يقل بالحديث فقد ذكر الباجي عن ابن القاسم قال: "قلت لمالك أتأخذ بحديث المصراة قال: نعم ثم قال: وقد روى أن مالكا قال لما سئل عن ذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "١.
وقال: "قال ابن المواز ولم يأخذ به أشهب وقال جاء ما يضعفه أن الغلة بالضمان"٢ فكأن نسبة عدم الأخذ به إلى مالك غير صحيحة لأن المعروف عن مالك ﵀ العمل به ولعل الذي نسبه إلى مالك ظن أن قول أشهب عن مالك فأخطأ والله تعالى أعلم.
ولعل من حكمة رد الصاع مع المصراة أنه قد يكون من بعض ضعاف النفوس الطمع في لبن المصراة حتى يحلبها ثم يردها بدعوى أنها مصراة فجعل الشارع الحكيم ردعا لمن تسول له نفسه ذلك حتى لا يتلاعب أهل الأهواء بأهل السلع ويفوتون عليهم ألبان المواشي فإذا كان صادقا دفع بدل اللبن صاع تمر ولا يتقدم إلا وهو صادق في دعواه مع أنني لم أجد من قال بهذه العلة. والله تعالى أعلم.
هل حكم التصرية يتعدى إلى غير الإبل والغنم
قال ابن قدامة:جمهور أهل العلم على أنه لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة وشذ داود فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة لأن الحديث: "لا تصروا الإبل والغنم" فدل على إنما عداهما بخلافهما ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص والقياس لا تثبت به الأحكام.
ثم قال ولنا عموم قوله: "من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام" وفي حديث ابن عمر: "من ابتاع محفلة"٣ ولم يفصل ولأنه تصرية بلبن من بهيمة الأنعام أشبه الإبل والغنم والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر لأن لبنها أغزر وأكثر نفعا وقولهم أن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع ثم هو هاهنا ثبت بالتنبيه وهو حجة عند الجميع٤ أما حكم غير بهيمة الأنعام من الآدميات وغيرها فقد اختلفوا في ذلك فقال الخطابي: "أنه يدخل في حكم المصراة من الإبل والغنم والبقر والآدميات فلو اشترى رجل جارية ذات لبن لترضع ولده فوجدها مصراة كان هذا حكمها سواء لا فرق بينها وبين غيرها من الحيوانات في هذا المعنى"٥
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٦٣. ٢ المنتقى شرح موطأ الإمام مالك: ٥/ ١٠٥. ٣ تقدم تخريجه وما قيل فيه ص. ٤ المغني: ٤/ ١٥٥. ٥ معالم السنن مع مختصر السنن لابن المنذر: ٥/٨٩.
[ ٢٩ ]
فكأن الخطابي ﵀ اقتصر على هذا القول ولم يذكر ما قال غيره من علماء الشافعية علما بأن النووي قد ذكر في ذلك ثلاثة أوجه فقال: "لو اشترى أتانا فوجدها مصراة فأوجه الصحيح أنه يردها ولا يرد للبن شيئا لأنه نجس.
والثاني: يردها ويرد بدله، قاله الاصطخري لذهابه إلى أنه طاهر مشروب.
والثالث: لا يردها لحقارة لبنها.
ولو اشترى جارية فوجدها مصراة فأوجه أصحها يردها ولا يرد بدل اللبن لأنه لا يعتاظ عنه غالبا، والثاني يرد ويرد بدله. والثالث لا يرد بل يأخذ الأرش"١.
وعند الحنابلة وجهان: أحدهما: يثبت الخيار اختاره ابن عقيل لعموم قوله: "من اشترى مصراة ومن أشترى محفلة" ولأنه تصرية بما يختلف الثمن به فأثبت الخيار كخيار تصرية بهيمة الأنعام وذلك أن لبن الآدمية يراد للرضاع ويرغب فيها ظئرا ويحسن ثديها ولذلك لو اشترط كثرة لبنها فبان بخلافه ملك الفسخ ولو لم يكن مقصودا لما ثبت باشتراطه وملك الفسخ بعدمه ولأن الأتان والفرس يرادان لولدهما.
الوجه الثاني: لا يثبت به الخيار لأن لبنها لا يعتاض عنه في العادة ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام والخبر ورد في بهيمة الأنعام ولا يصح القياس عليه لأن قصد لبن بهيمة الأنعام أكثر واللفظ العام أريد به الخاص، بدليل أنه أحمر في ردها بصاع من تمر ولا يجب في لبن غيرها ولأنه ورد عاما وخاصا في قضية واحدة فيحمل العام على الخاص ويكون المراد بالعام في أحد الحديثين الخاص في الحديث الآخر وعلى الوجه الأول: إذا ردها لم يلزم بدل لبنها ولا يرد معها شيئا لأن هذا اللبن لا يباح عادة ولا يعاوض
عنه٢.
هذه الخلافات التي ذكروا فيها ولا شك والله تعالى أعلم أن البقر يلحق بالإبل والغنم لأنه يراد منها ما يراد من الإبل والغنم في اللبن ولذلك قال ابن السبكي: "واتفقوا على إثبات الحكم في البقر إما بالنص وإما بالقياس فإن القياس فيها ظاهر جلي وهي في معنى الإِبل والغنم فلذلك اتفقوا على ثبوت الحكم فيها أما ما عدى ذلك من الحيوانات كالجارية٣ والأتان فلا يظهر فيهما أنهما في معنى الأصل المنصوص عليه " ثم قال: "والذي تجري أحكام المصراة عليهما فطريقه: إما القياس وإن كان ليس في الجلاء والظهور كالأول- يعني البقر- وإما إدراجها في عموم قول: "من اشترى مصراة" والذي لا تجري عليهما أحكام المصراة
_________________
(١) ١ روضة الطالبين: ٣/٤٦٩. ٢ المغني: ٤/١٥٦. ٣ أطلق اسم الحيوان على الجارية لأن كلمة حيوان اسم يقع على كل شيء حي. انظر لسان العرب: ٢/ ١٠٧٧/ط/ دار المعارف بمصر.
[ ٣٠ ]
طريقة قطع القياس ويتبين أنهما غير داخلين في عموم قوله مصراة إما بأن الاسم غير صادق عليهما عند الإطلاق وإما بإخراجهما من اللفظ بدليل وقد يقال: إن من جملة ما يدل على إخراج الجارية قوله في الحديث: "بعد أن يحلبها " فإن ذلك يقتضي قصر الحكم على ما يصدق عليه اسم الحلب وفي إطلاق الحلب على الجارية نظر"١
هل يلزم كون المردود صاعا من تمر أو يجور غيره من أقوات البلد
اختلف القائلون بالحديث في حكم ذلك فعند الحنابلة وطائفة من الشافعية يلزم صاعا من تمر أخذا بظاهر أكثر روايات الحديث وحملوا لفظ الطعام على التمر لأنه يطلق في بعض الروايات مقيد في الأخرى حب قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد٢
وعند مالك وبعض الشافعية أنه لا يلزم التمر وإنما الواجب غالب قوت البلد لورود الحديث بصاع من طعام جمعا بين ألفاظ الحديث وإنما أطلق التمر لكونه غالب قوت المدينة٣.
وقد ذكره البهوتي قولا لبعض الحنابلة٤.
وقال زفر: "يتخير بين صاع من تمر ونصف صاع من بر"
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف بمثل قول زفر إلا أنهما قالا: "لا يتعين صاع التمر بل قيمته"٥
قال الطحاوي: "وقد كان أبو يوسف قال بهذا في بعض أماليه غير أنه ليس بالمشهور عنه"٦.
وقال الذين أوجبوا التمر: لو كان في بلد لا يوجد فيها التمر أنه لا يلزم المشتري قيمته بالبلد الذي وقع فيه البيع وذلك لأنه بمنزلة ما لو أتلفه.
ثم قالوا: "ولو كان اللبن باقيا بحاله بعد الحلب لم يتغير بحموضة ولا غيرها رده المشتري ولزم البائع قبوله ولا شيء عليه لأن اللبن هو الأصل والتمر إنما وجب بدلا عنه فإذا رد الأصل أجزأ كسائر الأصول مع مبدلاتها كرد المصراة قبل الحلب إذا علم بالتصرية بإقرار البائع أو شهادة من تقبل شهادته"٧.
_________________
(١) ١ تكملة المجموع شرح المهذب بتصرف: ١٢/٨٤. ٢ انظر: المغني ٤/١٥٢. ٣ انظر: المنتقى شرح موطأ الإمام مالك للباجي ٥/١٠٦، والمغني٢٠/١٥١ ٤ انظر: كشاف القناع: ٣/٢٠٢. ٥ فتح الباري: ٤/٣٦٤،والمغني: ٤/١٥١، والمنتقى للباجي: ٥/١٠٦. ٦ شرح معاني الآثار: ٣/١٩. ٧ انظر: كشاف القناع: ٣/٢٠٢، روضة الطالبين للنووي: ٣/٤٦٧، والمغني ٤/١٥٣.
[ ٣١ ]
وقال ابن حزم: "فإن كان اللبن الذي في ضرعها يوم اشتراها حاضرا رده كما هو حليبا أو حامضًا"١ وقد خالف المالكية في رد اللبن وقالوا: "لأن ذلك يدخله بيع الطعام قبل استيفائه"٢.
وقال ابن قدامه ولنا أنه قدر على رد المبدل فلم يلزمه المبدل كسائر المبدلات مع أبدالها. والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن لقوله ففي حلبتها صاع من تمر٣.
ولعل الصواب والله تعالى أعلم مع من قال برد اللبن إذا كان موجودا ولم يتغير وسبب هذا الاختلاف اختلاف ألفاظ الحديث حيث ورد بذكر التمر وحده كما في رواية الأعرج عن أبي هريرة ﵁ وكذلك رواية ابن سيرين ومجاهد والوليد بن رباح وموسى بن يسار وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد وهمام بن منبه.
٢- وكذلك ورد بلفظ الطعام كما في رواية ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ وخلاس ابن عمرو ورواية ابن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.
٣- كما ورد بلفظ التمر والخيار ثلاثة أيام كما في رواية أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ ورواية الحسن عن أنس بن مالك، ورواية سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب.
٤- كذلك ورد بلفظ "الطعام" و"الخيار ثلاثة أيام" كما في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ وقد تقدمت هذه الروايات ومن خرجها قال الحافظ فالجمع بين هذه الروايات والذي يظهر في الجمع بينها أن من زاد الثلاث معه زيادة علم وهو حافظ ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنة لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على التمر وقد روى الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية٤.
وروى ابن أبي شيبة وأبو عوانة من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين "لا سمراء"- يعنى الحنطة-.
وروى ابن المنذر من طريق ابن عون عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء ليس ببر" فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله: "لا سمراء" لكن يعكر على هذا الجمع ما رواه البزار من
_________________
(١) ١ المحلي ٧/ ٥٧٥ طبع دار المكتبة العلمية بيروت. ٢ الكافي لابن عبد البر: ٢/ ٧٠٨، ننشر مكتبة الرياض الحديثة. ٣ المغني: ٤/١٥٣. ٤ لم أجد هذا في شرح معاني الآثار.
[ ٣٢ ]
طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن
سيرين بلفظ "إن ردها رد ومعها صاع من بر لا سمراء" وهذا يقتضي أن المنفي في قوله "لا سمراء "حنطة مخصوصة وهي الحنطة الشامية فيكون المثبت بقوله:"من طعام" أي من قمح ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى الذي ظنه مساويا وذلك أن المتبادر من الطعام البر فظن الراوي أنه البر فعبر به وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر لأنه كان غالب قوت أهل المدينة فهذا طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين في ذلك لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه "فإن ردها رد معها صاعا من طعام أو صاعا من تمر" فإن ظاهره يقتضي التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر ويحتمل أن تكون "أو" شكا من الراوي لا تخييرا وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم ينصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري١.
هكذا جمع الحافظ ﵀ والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنه يحمل على غالب قوت البلد كما هو مذهب الإمام مالك وبعض الشافعية لثبوت لفظ الطعام كما تقدم عن أبي هِريرة وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ وحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما وهذا أيضاَ فيه تيسير للأمة والشريعة وردت بذلك. أما قوله: "لا سمراء" فلعل المقصود منها نوع من الحنطة الخاصة كما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: "كنا نعطيها- يعني زكاة الفطر- في زمان النبي ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين"٢.
وقد وردت الروايات بلفظ الطعام وصحت فالأولى حمله على الأصل وهوِ البر وليس النوع الفاخر من الحنطة ولا الرديء بل المتوسط.
ولفظ الطعام عام في كان ما يقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك٣ ولهذا رجحت قوت كل بلد كما في زكاة الفطر لأنها تعطى من قوت كل بلد. والله أعلم.
وبهذا تم البحث وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
_________________
(١) ١ فتح الباري: ٤/ ٣٦٤. ٢ انظر: صحيح البخاري: ٢/١١١، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة ٢/٦٧٧_٦٧٩. ٣ انظر: النهاية في غريب الحديث: ٣/ ١٢٦.
[ ٣٣ ]