هل يجب التتابع في قضاء الأيام الني أفطرها في سفره:
اختلف أهل العلم في وجوب التتابع في قضاء الأيام التي أفطرها المسلم أثناء سفره عملا بالرخصة. على فريقين:
[ ٥٨ / ١٢٩ ]
الفريق الأول: يرى وجوب التتابع في القضاء. وقد حكى هذا الرأي، عن ابن عمر وعائشة والحسن البصري وعروة ابن الزبير والنخعي وداود الظاهري..
وقد نقل عن داود قوله: هو - أي التتابع - واجب غير شرط، بمعنى أن تاركه يأثم لكن مع ذلك يعتد بما صامه شرعا ١..
وأهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي:
١- عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" ٢.
وقد نوقش هذا الاستدلال، بما نقله البيهقي عن يحيى بن معين والنسائي والدارقطني من تضعيفهم لعبد الرحمن بن إبراهيم أحد رجال هذا الحديث ٣..
وقد رد على هذه المناقشة بما نقل عن بعض أصحاب الحديث من توثيقهم لعبد الرحمن هذا، فقد وثقه البخاري في تاريخه كما وثقه ابن معين. ونقل عن أحمد بن حنبل، أنه قال: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به أحاديث مستقيمة، وعن الدارقطني، أنه وثقه في هذا الحديث وقال ابن عدي: لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به، وقال ابن القطان: هو مختلف فيه والحديث من روايته حسن٤. وأخيرًا قال فيه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ متقن ٥.
٢- عن عائشة ﵂، قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت متتابعات ٦..
فهذا اللفظ (متتابعات) الذي نزل متعلقا بأيام أخر يوضح الحالة التي ينبغي أن يكون عليها قضاء هذه الأيام الأخر وهي: أن يكون القضاء متتابعا..
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩. المجموع ج ٦ ص ١٥٨. ٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩. ٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩. ٤ الجوهر النقي ج ٤ ص ٢٥٩ على هامش السنن الكبرى. ٥ تقريب التهذيب ج ١ ص ٤٧١ دار المعرفة - بيروت. ٦ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨.
[ ٥٨ / ١٣٠ ]
ولكن يناقش هذا الاستدلال بأن السند الذي روى به هذا القول عن عائشة ﵂، وهو عبد الرزاق، عن ابن جريح، عن ابن شهاب، وعن عروة، روى به أيضا تأويل قولها "سقطت ": بأنها تريد: نسخت. لا يصح له تأويل وغير ذلك.١
ويرد على هذه المناقشة، بأن النسخ قد يكون نسخا للتلاوة مع بقاء الحكم، وقد يكون النسخ للتلاوة والحكم معا، وليس في هذه الرواية ما يدل على إرادة أحد هذين الأمرين.
٣- ما روى من قول علي ﵁: من أن " قضاء رمضان متتابعا"٢.
ويناقش هذا، بأنه من رواية الحارث الأعور، وهو ضعيف بل وروى عن طريقه أيضًا عن علي ﵁" أنه كان لا يرى به متفرقا بأسا " ٣.
٤- مشابهة القضاء للأداء: أي بما أن الأداء لا يصح الا متتابعا، فالقضاء كذلك، إذ لا فرق بين الأداء والقضاء، كما هو في قضاء الصلاة..
ويناقش هذا الاستدلال، بالفرق بين الأمر الصادر من المشروع بالأداء وبين الأمر الصادر بالقضاء، حيث جاء الأمر بالأداء مقرونا ببيان تحديد الوقت الذي يجب فيه الصيام تحديدا واضحا. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
أما الأمر الصادر بالقضاء فقد جاء بصيغة النكرة الواقعة في سياق الإثبات قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وهذه الأيام الأخر مطلقة.فيجوز القضاء في أي وقت مفرقا أو متتابعا..
كما أنه يفارق الصلاة؟ لأن الصلاة ملاحظ فيها دائما، في الأداء والقضاء قوله ﷺ: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
كما أن الصلاة إذا تركها المرء عددا قليلا من الأوقات كخمس أوقات فأقل فكثير من الفقهاء يوجب الترتيب بينها، أما أكثر من ذلك فلا، وهذا موضع مختلف فيه بين الفقهاء.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨. ٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٩. ٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٦٠.
[ ٥٨ / ١٣١ ]
الفريق الثاني:
نقل عدم وجود التتابع عن عدد كبير من الصحابة والتابعين والفقهاء، منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبة هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور.١
أهم الأدلة التي استدل بها لهذا الفريق ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .
وقد أوضحنا وجه الدلالة من هذه الآية قريبا ويتخلص في: أن الله ﷾ قد أمر بقضاء أيام الفطر بسبب المرض والسفر في أيام أخر بعد انتهاء رمضان دون قيد..
ويرد على هذا الاستدلال، بما جاء من قول عائشة - ﵂ - السابق من أن هذه الاية كانت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقط لفظ متتابعات..
ويجاب، بأن السقوط، قد فسر بالنسخ، والنسخ محتمل لنسخ الحكم والتلاوة معا ولنسخ التلاوة دون الحكم، ومعلوم أن الدليل إذا تطرق غليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
وعل ذلك فبقيت الآية محكمة، وقد فهمها الصحابة على هذا النحو:
أ – فقد سئل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ عن قضاء رمضان، فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصى العدة واصنع ما شئت ٢..
ب - وسئل معاذ بن جبل ﵁ عن قضاء رمضان، فقال: أحصي العدة وصم كيف شئت. وقد نقل مثل هذا القول وبهذا اللفظ عن ابن محيريز ٣..
ج - وعن ابن عباس ﵄: قال: يقضيه متفرقا، فإن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٤.
د - وعن أنس بن مالك، أنه كان لا يرى به بأسا ويقول: إنما قال الله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٥ ونقل مثل هذا القول عن ابن عباس ٦..
_________________
(١) ١ المغني ج ٣ ص ١٥٨ والزرقاني علي خليل ج ٢ ص ٢١٥ وفتح القدير ج ٢ص ٣٥٤. والمجموع ج ٦ ص ٣٢٦. ٢ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨. ٣ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ ج ٤ ص ٢٤٤. ٤ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ والمصنف ج ٤ ص ٢٤٣. ٥ السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٥٨ والمصنف ج ٤ ص ٢٤٣. ٦ صحيح البخاري ج ١١ ص ٥٣ مع عمدة القارىء.
[ ٥٨ / ١٣٢ ]
قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ ..
حيث جاء أسلوب المطالبة بالأداء مغاير لأسلوب المطالبة بالقضاء، فالداء قد حدد فيه زمن الصوم تحديدا كاملا، أما في جانب القضاء، فاكتفى في المر به بذكر المماثلة في العدد بين الأيام الي أفطر فيها والأيام التي سيقضيها بدلا عنها، دون أن يحدد وقت معين لقضاء هذه الأيام..
قد يقال: أن أمر القضاء وان جاء مطلقا في الآية وفإن حديث أبي هريرة قد قيد هذا الاطلاق..
فيجاب بأن ما قيل في سند هذا الحديث حتى مع ترجيح جانب الصحة فيه يجعله غير صالح لتقييد مطلق الكتاب..
المختار: هو قول من يرى عدم وجوب التتابع، لأن الأمر في الرخص مبني على التخفيف والمسامحة، ةلأن فهم الصحابة للآية والذي اتضح من استدلالهم بها على عمومها، أقوى من الاحتمالات الواردة في حديث عائشة ﵂ الا أن الأفضل هو التتابع - كما يقول الجمهور - للجمع بين الأدلة من جهة، وللمسارعة في اسقاط الواجب وإبراء الذمة من جهة أخرى.
والله أعلم.
[ ٥٨ / ١٣٣ ]