وقد اختلف أهل العلم في السجود فيها على قولين:
القول الأول: أنها ليست من سجدات التلاوة، وإنما هي سجدة شكر:
ذهب إليه الشافعية في الصحيح من المذهب (١)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٢)، وهو قول علقمة (٣).
الأدلة:
١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال قرأ رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن (٤)، الناس للسجود، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم قد تشزنتم للسجود. فنزل فسجد وسجدوا» (٥).
_________________
(١) المهذب (٢/ ٩٢) المجموع (٤/ ٦٠) الحاوي (٢/ ٢٠٢) روضة الطالبين (١/ ٣١٨).
(٢) المغني (٢/ ٣٥٥) الإنصاف (٢/ ١٩٦) الفروع (١/ ٥٠٣) المبدع (٢/ ٣٠) المستوعب (٢/ ٢٥٧).
(٣) المغني (٢/ ٣٥٥).
(٤) تشزن الناس: استوفزوا، وتأهبوا وتهيؤوا النهاية (٢/ ٤٧١).
(٥) أخرجه أبو داود، في الصلاة، باب السجود (٢/ ٥٩) (١٤١٠) والبيهقي في الصلاة، باب سجدة (٢/ ٣١٨) وقال: حسن الإسناد صحيح، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٨٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقال النووي في المجموع (٤/ ٥١٨) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال في الخلاصة: سنده صحيح على شرط البخاري، انظر: نصب الراية (١/ ١٨١).
[ ٥٥ ]
ووجه الدلالة: أنه صرح بأنها ليست موضع لسجود التلاوة، وإنما هي توبة نبي، وعلل للسجود بأنهم استعدوا له، فلم يكن ليصرفهم.
ونوقش: بأن سجوده في الجمعة الأولى، وتركه الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة.
وأما تركه في الجمعة الثانية حين القراءة فلا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير وهو لا يجب على الفور، على أنه سجدها أيضًا وأسجد الناس معه لما تشزنوا (١).
٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا» (٢).
ونوقش: بأن هذا حجة لنا؛ لأنا نقول: سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى، وحسن مآب ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: ﴿أَنَابَ﴾ بل عقيب قوله: ﴿مَآبٍ﴾ وهذه نعمة عظيمة في حقنا، فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة (٣).
وقال البابرتي: وهذا لا ينفي كونها سجدة تلاوة، إذ ما من عبادة يأتي بها العبد إلا وفيها معنى الشكر (٤).
٣ - ما روي عن ابن عباس ﵄، قال: (ص) ليست من عزائم
_________________
(١) البناية (٢/ ٧١٤) العناية (٢/ ١٢).
(٢) أخرجه النسائي في كتاب الافتتاح، باب سجود القرآن السجود في (ص) (٢/ ١٥٩) (٩٥٧). قال الحافظ في الدراية (١/ ٢١١) ورواه الدارقطني من طريق أخرى في كتاب الصلاة باب سجود القرآن (١/ ٤٠٧) وقد صححه ابن السكن، كما في التلخيص (٢/ ٩).
(٣) البناية (٢/ ٧١٤) العناية (٢/ ١٢) فتح القدير (٢/ ١٢) بدائع الصنائع (١/ ١٩٣).
(٤) العناية (٢/ ١٢).
[ ٥٦ ]
السجود، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها (١).
وهو مناقش: بأن الحجة فيما رواه عن النبي - ﷺ - من فعله لا فيما رآه هو.
القول الثاني: أنها من مواضع السجود:
ذهب إليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في مقابل الأصح (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥)، وابن حزم (٦)، وهو قول الحسن، وإسحاق، والثوري (٧).
الأدلة:
١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قرأ (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم قد تشزنتم للسجود فنزل فسجد، وسجدوا» (٨).
والاستدلال به من وجهين:
الوجه الأول: أن سجوده في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة (٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري في أبواب سجود القرآن، باب سجدة (ص) (٢/ ٣٢).
(٢) المبسوط (٢/ ٦) الهداية (١/ ٧٨) تبيين الحقائق (١/ ٢٠٥) فتح القدير (٢/ ١١) العناية (٢/ ١١).
(٣) المنتقى (١/ ٣٥٢) المدونة (١/ ١٠٩) مواهب الجليل (٢/ ٦١) الكافي (١/ ٢٦١).
(٤) روضة الطالبين (١/ ٣١٨) المجموع (٤/ ٦١).
(٥) الفروع (١/ ٥٠٣) الإنصاف (٢/ ١٩٦) المبدع (٢/ ٣٠).
(٦) المحلى (٥/ ١٥٦).
(٧) المغني (٢/ ٣٥٥).
(٨) سبق تخريجه.
(٩) المحلى (٥/ ١٥٩) البناية (٢/ ٧١٤) فتح القدير (٢/ ١٢).
[ ٥٧ ]
الوجه الثاني: أن سببها التلاوة فكان سجدة تلاوة (١).
٢ - حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - سجد في (ص) (٢).
ونوقش: بأن سجوده سجود شكر كما بينه حديث ابن عباس (٣).
٣ - حديث ابن عباس؛ أن النبي - ﷺ - سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» (٤).
ووجه الدلالة: ظاهر:
ونوقش: بأن هذا حجة لا؛ لأنا نقول: سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى، وحسن مآب (٥).
٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: رأيت رؤيا وأنا أكتب (ص) فلما بلغت "السجدة" رأيت الدواة والقلم، وكل شيء يحضرني انقلب ساجدًا، قال: فقصصتها على رسول الله - ﷺ - فلم يزل يسجدها (٦).
٥ - ما أخرجه البخاري عن مجاهد أنه سئل عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس، من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ
_________________
(١) البناية (٢/ ٧١٤).
(٢) أخرجه الدارقطني في الصلاة، باب سجود القرآن (١/ ٤٠٦) قال الحاف في الدراية: وإسناده ثقات (١/ ٢١١) لكن قال الدارقطني في علله: تفرد به حفص، وخالفه إسماعيل بن حفص، وغيره، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ -. سجد في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وهو الصواب. انظر. نصب الراية (٢/ ١٨٠).
(٣) المغني (٢/ ٣٥٥).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) البناية (٢/ ٧١٤).
(٦) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٧٨، ٨٤). قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٤) وأخرجه البيهقي وفيه: فأخبره فأمر بالسجود فيها، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٢) وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.
[ ٥٨ ]
ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فكان داود ممن أُمر نبيكم - ﷺ - أن يقتدي به فسجدها رسول الله (١).
٦ - روي عن عمر وعثمان؛ أنهما كانا يسجدان فيها (٢).
٧ - أن النظر يدل عليه، وذلك أن موضع السجود من الآية، موضع خبر، لا أمر، فالنظر فيه أن يرد حكمه إلى أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها (٣).
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه؛ هو القول: بأنها من مواضع السجود لقوة أدلته؛ ومنها حديث أبي سعيد الصحيح وقوله: «فلم يزل يسجدها» ولسلامة أدلته مما أورد عليها من مناقشة.
فائدة الخلاف:
وتظهر فائدة الخلاف في مسألتين:
المسألة الأولى: إذا قرأها في الصلاة فسجد فما حكم صلاته عند القائلين بأنها ليست من مواضع السجود:
اختلفوا في ذلك على قولين:
_________________
(١) الصحيح كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة (ص) (٦/ ٣١).
(٢) الأثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلوات، باب من قال: في (ص) سجدة وسجد فيها (٢/ ٩). أما أثر عثمان: فأخرجه عبد الرزاق في فضائل القرآن. باب كم في القرآن من سجدة (٣/ ٣٣٦) وابن أبي شيبة في كتاب الصلوات، باب من قال: في "ص" سجدة وسجد (٢/ ٩) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٩) وعبد الله بن الإمام أحمد في مسنده (١/ ٥٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥) رجاله رجال الصحيح. اهـ.
(٣) شرح معاني الآثار (١/ ٣٦١).
[ ٥٩ ]
القول الأول: أنها تبطل صلاته:
ذهب إليه الشافعية في أصح الوجهين (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة في الأصح (٣).
احتج الشافعية والحنابلة: بأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة (٤).
واحتج المالكية: بأنه يزيد في صلاته فعلًا مثله يبطل الصلاة (٥).
القول الثاني: أنها لا تبطل:
ذهب إليه الشافعية في مقابل الأصح، وحكاه ابن قدامة احتمالًا في مذهب الحنابلة (٦).
قالوا: لأنها تتعلق بالتلاوة، فهي كسائر سجدات التلاوة (٧).
المسألة الثانية: لو سجد إمامه في "ص" لكونه يعتقدها فهل يتابعه المأموم إذا لم يعتقد مشروعية السجود؟
لهم في هذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يتابعه:
ذهب إليه الشافعية في الأصح، بل إن شاء نوى مفارقته؛ لأنه معذور، وإن شاء ينتظره قائمًا، كما لو قام إلى خامسة لا يتابعه، بل إن شاء فارقه، وإن شاء انتظره، فإن انتظره لم يسجد للسهو؛ لأن المأموم لا سجود عليه.
_________________
(١) المهذب (٢/ ٩٣).
(٢) مواهب الجليل (٢/ ٦١) الشرح الصغير (١/ ٥٧٠).
(٣) المغني (٢/ ٣٧٣) الإنصاف (٢/ ١٩٦).
(٤) المهذب (٢/ ٩٣) المغني (٢/ ٣٧٣).
(٥) مواهب الجليل (٢/ ٦١) وسجدة "ص" عند المالكية ليستت من عزائم السجود وليست بسجدة شكر.
(٦) المهذب (٢/ ٩٣) المغني (٢/ ٣٧٣).
(٧) المصادر السابقة.
[ ٦٠ ]
القول الثاني: أنه لا يتابعه أيضًا:
وهو مخير في المفارقة والانتظار، كما سبق، فإن انتظره سجد للسهو بعد سلام الإمام.
ذهب إليه الشافعية في وجه؛ لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلًا وأن لسجود السهو توجهًا عليهما، فإذا أخل به الإمام سجد المأموم (١).
القول الثالث: أنه يتابعه في سجوده:
ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية في الوجه الثالث (٣).
لتأكد متابعة الإمام، وتأويله (٤).