نتكلم هنا عن مقاصد الشرع في فعل العبادة بكيفية معينة وهو متعلق بماهية العبادة التي قصد الشرع أن تقام بهذه الكيفية.
فالكيفية مقصودة للشرع؛ ومن خلالها يتم تحقيق الأمر الذي هو التعبد
_________________
(١) المغني لابن قدامة - ت التركي (٤/ ٣٥٠).
(٢) وقد فصلنا كل هذا في الفصل الثالث دلالة، ودليلًا، ومذهبًا، وأصولًا، ومقاصدًا، واستوفيناه بطريقة أصولية فقهية تأصيلية مبتكرة تؤسس لتكوين ملكة فقهية استنباطية، ويدرك الناظر بها أسرار المذاهب الفقهية في النظر، وأسرار الفقه ومراتبه.
[ ٢٦ ]
لله بهذه الكيفية المعينة، ولو لم تكن الكيفية والماهية العبادية مقصودة، لكان لكل شخص أن يصلي، ويصوم، ويحج، ويبيع بما يرى من كيفية وماهية.
ومقصده الأعظم في العبادة تحقيق العبودية بكيفية مخصوصة في الصيام وهي ترك الشهوة البطنية والفرجية في نهار رمضان. والعبودية مصرحة في الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة (١٧٨)]، وترك المأكول والمشروب وشهوة الفرج مصرح به في النص القرآني، وجاء النص النبوي يؤكد ذلك، وهو ما رويناه من طريق البخاري قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها﴾ (^١).
وهذا المقصد المحدد مقصد عبادي محض تتعلق به ماهية الصيام، فمن خرمه بشيء من الشهوة البطنية، أو الفرجية فقد بطل عمله.
وما يحقق المقصد هو ترك تناول الطعام والشراب بكل أنواعه معتادا أو غير معتاد، غذاء أم دواء. كما سيأتي تحقيقه.
وهذا المعنى المقاصدي هو الذي يحقق مقصود الشرع من الصيام ويحقق ما يبطله مما لا يبطله.
ولما كانت الشريعة طالبة لمقاصدها على وجه الكمال مهما استطاع المكلف. رام الفقهاء من المذاهب تحقيق هذا المقصد على كماله ولعل هذا ما يفسر لنا التوسع الكبير في القول بالمفطرات.
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٢٤ ط السلطانية).
[ ٢٧ ]
وهناك سبب جوهري آخر لهذا التوسع، هو التصور الحقيقي للمنافذ الموصلة إلى محل الإفطار في البدن وهو الجهاز الهضمي.
وللأمانة العلمية، وبعد التتبع التام لأسرار التعليل الفقهي الحامل لهم على ذلك، تبين لي أن تصورهم في هذه المنافذ وأنها توصل إلى المعدة له الأثر الكبير في بناء الفقه في هذا الباب.
فهذه المنافذ ما دامت توصل إلى المعدة فستؤثر على مقصد الشرع من منع دخول كل مأكول أو مشروب إليها.
وهذا يحتاج فقط إلى تصحيح تصوري بوسائل الطب الحديث.
ولكن الذي خرج عن مقصد الشرع في ترك الشهوة البطنية والفرجية ما قيل في بعض الأعيان المفطرة، فمن أكل زجاجا أو بلع حجارة فهو مفطر.
لأن العلة هي دخول عين جوفًا، ثم طردوا الباب حفاظًا على العلة، لأن العلل يجب أن تكون مطردة فكان من أدخل في إحليله أو دبره ولو أصبعه فهو مفطر، والتي تركب اللولب الرحمي المنظم للحمل مفطرة، مع أنه لا تعلق لذلك بأكل ولا شرب ولا معناه لا لغة ولا عرفًا، ولا مناسبة بين العلة وبين الحكم.
فأصبح الحفاظ على العلة بابًا للتضييق على المكلف، وخرجت في بعض الفروع عن مقصود الشرع في التعبد بترك الشهوة البطنية والفرجية.
وتحصيل العلة الأصولية في المفطرات:
- منه ما هو من تحقيق المناط وهذا النوع لا خلاف فيه لأنه مجرد تنزيل اسم الأكل والشرب والمفطرات على الحالة المعينة.
- ونوع آخر هو تنقيح المناط ويحصل في تطبيقه اختلاف في النتيجة فبعضهم يرى العلة كذا وبعضهم يراها كذا. كما في على كفارة من جامع في رمضان؛ حيث ذهب البعض إلى أن العلة الجماع في نهار رمضان، والبعض إلى أن العلة انتهاك رمضان بتعمد الإفطار في الجملة.
[ ٢٨ ]
- ونوع ثالث تحصيل العلة بطريق استنباط المناط وهو اجتهاد الفقيه في إيجاد معنى مناسب يظن أنه العلة بقوانين معينة في الأصول مختلف في كثير منها في نوع استنباط المناط.
ولو أعمل في باب الصيام تحصيل العلة من النوع الثالث بالاستنباط مع ملاحظة النظر المقصدي؛ لأدى إلى الوصول إلى تعليل مناسب فيكون قويًا في التعليل.
ولأدى إلى حذف كثير من هذه المفطرات وجعل العلة محددة متماشية مع المقصد.
كما أن علة الجوفية والعينية من أجناس العلل وهم يقولون فيها قولًا عظيمًا في الأصول،
فصارت العلة غير متماسكة من جهات عديدة منها:
- أنها مستنبطة وهذه المرتبة يحصل فيها خلاف كثير في تحصيل العلة.
- ومنها أنها غير مناسبة في كثير من الصور.
- ومنها أنها جنس علة في جنس حكم، وهو نوع بعيد في التعليل. فالعين الداخلة جنس علة شاملة لكل شيء من الأعيان، والجوف جنس شمل كل جوف فصارت العلة كل عين تدخل الجوف.
وهذا جنس واسع في جنس الحكم وهو الإفطار. لأنه شامل للإفطار بجماع أو أكل وشرب أو حجامة. وتعليل الجنس في الجنس من نوع المناسب وهو مع كلام فيه، يشترط له المناسبة وهي غير موجودة في كثير من الصور، فما هي المناسبة في القول بأن البخور يفطر الصائم، وما هي المناسبة في أن إدخال اللولب للمرأة يفطر صومها.
لهذا ومن خلال هذا المقصد العظيم نستطيع أن نجزم بتحديد مفسدات الصيام التي تعود بالإبطال على هذا المقصد، وهو عبادة الله بترك الشهوة البطنية والفرجية.
[ ٢٩ ]