* المذهب الحنفي:
الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة.
وهذا يبين أن كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ لا يعني أن المرأة الحرة تصلي كاشفة عن وجهها إذا كانت على مرأى من رجال أجانب، وإنما ذلك إذا كانت تصلي في بيتها أو أمام من يحل له الدخول والنظر إليها من محارم ورقيق ونحوهم.
تحقق لدينا مما سبق أن المأثور عن الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي إنما هو عن عورة المرأة في الصلاة، فلم يؤثر عن أحد الأئمة الأربعة قول صريح عن عورة المرأة عند الرجال الأحرار الأجانب، إلا قول الإمام أحمد (ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ).
رابعا: ١) استشهد في مذهب الإمام أبي حنيفة بقول أبي جعفر الطحاوي" أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرَّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد"
وبالرجوع إلى قول أبي جعفر الطحاوي يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عنه كان من (باب نظر العبد إلى شعور الحرائر) وهل لعبد المرأة أن ينظر إلى
[ ١٧٧ ]
شعرها كالمحارم، أم أنه كالعبيد المملوكين للغير لايباح له إلا النظر إلى الوجه والكفين؟ ثم أسند الطحاوي ما وصل إليه في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن:
قال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) في كتابه شرح معاني الآثار ٤/ ٣٣١ - ٣٣٤:
باب نظر العبد إلى شعور الحرائر: عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال (إذاكان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) قال أبو جعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث قال بكير عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها، قال بكير عن عبد الله بن رافع لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها - أي لا يرى منها شيء - وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي - ﷺ - يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا إلا من كان منهم ذو رحم محرم فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم - أي لا يباح للعبيد والأتباع النظر لهن، ولا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب - وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل - المملوك للغير - من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها.
وقد قال الله - ﷿ -
[ ١٧٨ ]
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فأبيح للناس - أي من الرقيق والأتباع والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار - أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي - ﷺ - لما نزلت آية الحجاب ففضلن بذلك على سائر الناس قال عمر قلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر - من العبيد - فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله ﷿ آية الحجاب ، عن أنس بن مالك قال "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما أدخل؛ فقال النبي - ﷺ -: رويدا وراءك يا بني" ثم رأينا العبد حرام عليه في قولهم جميعا أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفا أو إلى ساقيها، سواء كان رقه لها أو لغيرها، فلما كان - عبدها - فيما ذكرنا كالأجنبي منها - أي في نظره لصدرها وساقها كالعبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، كان في النظر إلى شعرها أيضا كالأجنبي - العبد المملوك لغيرها - لا كذي رحمها المحرم عليها، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي حدثنا عن الشعبي ويونس عن الحسن أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته. اهـ
ومما يشهد أنه لايباح للمرأة أن تكشف وجهها لمطلق الرجال الأجانب في مذهب أبي حنيفة علاوة على ما سبق بسطه في البحوث السابقة:
ما جاء في البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٣٤٥): ولو شتمت أجنبيا كان جناية، وكذا لو كشفت وجهها لغير محرم لأنه لا يجوز النظر والكشف بلا ضرورة.
[ ١٧٩ ]
وفي الدر المختار شرح تنوير الأبصار (٤/ ٧٧): يعزر المولى عبده، والزوج زوجته ولو صغيرة لما سيجيء. . . أو كشفت وجهها لغير محرم.
وجاء في غمز عيون البصائر لأحمد بن محمد الحنفي (٢/ ١٠٧): قال في فصل التعزير: قال الولوالجي في فتاواه للزوج أن يضرب زوجته على أربعة أشياء وما في معناها ومنه ما إذا كشفت وجهها لغير محرم. أهـ
فلو لم تكن تغطية الوجه واجبة على المرأة؛ لما كان كشفها عن وجهها جناية تستحق التعزير عليها؟!
٢) ثم استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام مالك بقول ابن عبد البر؛ الذي يتبين بالرجوع إليه أنه عن استتار المرأة في الصلاة وفي بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب:
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٩): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه والأصل في هذا الباب أن أم سلمة سئلت ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال أبو عمر- ابن عبد البر- اختلف العلماء في تأويل قول الله ﷿ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فروي عن ابن عباس وابن عمر إلا ما ظهر منها "الوجه والكفان" وعلى قول ابن عباس
[ ١٨٠ ]
وابن عمر الفقهاء في هذا الباب فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها، وأما الرجل فإن أهل العلم يستحبون أن يكون على عاتق الرجل ثوب إذا لم يكن متزرا لئلا تقع عينه على عورة نفسه. اهـ
استشهاد ابن عبد البر بآية النور ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بعد أن بيّن الأصل في باب ستر العورة في الصلاة يشهد لما ذكرنا وما سيأتي تفصيله من أن هذه الآية تبين عورة المرأة واستتارها في بيتها أمام من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين للغير ونحوهم؛ ولذلك قال (فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها) ولم يقل في حجابها، فمراده استتارها في بيتها أمام من يحل له الدخول عليها والنظر إليها ولم يتطرق لخروجها من بيتها واحتجابها من الرجال الأجانب!
ومما يؤكد ذلك أن ابن عبد البر بيّن حكم احتجاب المرأة من الرجال الأجانب في موضع آخر وفرق بينه وبين الاستتار من المحارم فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ النور: ٢٧ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
[ ١٨١ ]
لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع، وهو عند جماعة العلماء في الحرائر دون الإماء، وفيه أيضا أن ذوي المحارم من النسب والرضاع لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات، والمرأة في ما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة. اهـ
وهذا القول شاهد لما ذكرنا وما سيأتي بيانه؛ فبعد أن ذكر أن الحجاب مختص بالحرائر ويكون بالتقنع وتغطية الوجه بالجلباب؛ ذكر أن المحارم لا يحتجب منهم ولا يستر عنهم إلا العورة، والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة، أي أنه لا يجوز لها كشف ما عداهما للمحارم قياسا على ما لا يجوز لها كشفه في الصلاة.
ثم استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك لما سئل" هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله". اهـ قال الباجي في" المنتقى شرح الموطأ" عقب هذا النص: " يقضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها"ـ
والجواب عليه بالآتي:
ننقل أولا قول الإمام مالك من الموطأ (٢/ ٩٣٤) " سئل مالك هل تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه
[ ١٨٢ ]
ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع الرجل ليس بينه وبينها حرمة".اهـ
فالمراد بقول الإمام مالك هو جواز مؤاكلة المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها كعبدها وعبد زوجها، فإن هذا ما اتفق عليه شرّاح الحديث؛ أن الإمام مالك إنما أجاز مؤاكلة المرأة لغلامها أو غلام زوجها، وهذا ما تناقله فقهاء المالكية عن إمامهم؛ فلم يقل أحد منهم بجواز مؤاكلة المرأة الحرة للرجل الحر الأجنبي بناء على قول الإمام مالك كما قال الشيخ الألباني!! بل إنهم لم يطلقوا لها جواز مؤاكلة غلامها بل اشترطوا أن يكون وغدا أي قبيحا، فإن لم يكن وغدا وكان له منظر فإنهم لم يجيزوا لها أن تؤاكله:
- قال أبو بكر الصقلي (ت ٤٥١ هـ) في الجامع لمسائل المدونة (٢٤/ ١٦٠): وقال في الموطأ لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها. قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة. ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.
- قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٢٠ هـ) في المقدمات الممهدات (٣/ ٤٦٠): فصل فيما يجوز للرجل أن ينظر إليه من النساء: ولا يجوز لرجل أن يخلو بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك، ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة المتجالة؛ ولا يجوز له أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج، أو عند إرادة نكاحها فصل ويجوز للعبد أن يرى من سيدته ما يراه ذو المحرم منها؛ إلا
[ ١٨٣ ]
أن يكون له منظرة فيكره أن يرى منها ما عدا وجهها. ولها أن تؤاكله إذا كان وغدا دنيا، يؤمن منه التلذذ بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن ذلك منه.
- قال جلال الدين السعدي (ت ٦١٦ هـ) في عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٣٠٥): وعثمان بن عمر الكردي (ت ٦٤٦ هـ) في جامع الأمهات (١/ ٥٦٩): ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجا ولا محرما، ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة، وأما الشابة فلا ينظر إليها أصلًا إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح، ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين، وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تؤاكله إن كان وغدا يؤمن منه التلذذ بها، واستخف في عبد زوجها للمشقة عليها في استتارها منه.
ولنا شاهد من قول الإمام مالك على وجوب تغطية الوجه:
قال الإمام مالك في المدونة الكبرى (٥/ ٤٦): إن قال لها زوجها أنت طالق ثلاثا فجحدها، قال مالك: " لا تزين له ولا يرى لها وجها ولا شعرا ولا صدرا إن قدرت على ذلك".اهـ فإذا كان هذا قول مالك في المطلقة؛ فكيف يقال بأنه يجيز كشف وجه المرأة الأجنبية ومؤاكلتها؟!!
أما مانقله الشيخ الألباني عن الباجي فالرجوع إلى قوله يبين مراده:
[ ١٨٤ ]
قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٤٧):
قول مالك ﵀ (لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم) يريد من تأبد تحريمها عليه كالأب والابن والأخ والعم والخال لأنه ليس في مؤاكلتها له أكثر من النظر إلى وجهها وكفيها. وقوله (ومع غلامها) يريد عبدها وذلك لما قلناه من أن الأكل ليس فيه إلا النظر إلى الوجه والكفين وذلك مباح للعبد وأما نظره إلى شعرها فاختلف فيه العلماء وقوله (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها على مثل ذلك) يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح؛ لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها وقد اختلف الناس في ذلك، والأصل فيه قول الله ﵎ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وفي ذلك دليل على أن الوجه والكفين يجوز للقربى أن يروه من المرأة. اهـ
فقوله (يجوز للقربى) يكشف أنه لايعني الرجال الأجانب الذين تحتجب منهم المرأة؛ ولذا فتعقيبه على قول الإمام مالك (وقد تأكل المرأة مع زوجها وغيره ممن تؤاكله أو مع أخيها) بقوله (يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح) يعني أنه مباح لكل من أبيح له الدخول عليها دون حجاب من العبيد المملوكين سواء كان العبد لها أو لزوجها أو لأخيها ممن يدخل عليها ويؤاكلهم.
يشهد لصحة ما ذكرنا قوله عن كشف المرأة لوجهها في موضع آخر من المنتقى (١/ ٤) عند شرحه لحديث عائشة ﵂ قالت (كن نساء المؤمنات
[ ١٨٥ ]
يشهدن مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهنّ (^١) ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس (^٢» (^٣) قال الباجي: يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تُدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن.
٣) استشهد الشيخ الألباني في مذهب الإمام الشافعي بقول البغوي في شرح السنة (٩/ ٢٣ - ٢٤): "فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة فأما القصد إلى النظر، فلا يجوز لغير غرض، وهو أن يريد نكاح امرأة، أو شراء جارية، أو تحمل شهادة عليها، فيتأملها". اهـ.
فيجاب عليه بأن مراده بالرجل هنا؛ من أباح له الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع كما أسلفنا وليس مراده جواز كشف المرأة الحرة وجهها للرجال الأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك؛ قوله عن حكم احتجاب المرأة الحرة من الأحرار الأجانب في تفسيره معالم التنزيل
_________________
(١) المرط: كساء من خز أو صوف يؤتزر به وتتلفع به المرأة (المصباح المنير ٢/ ٥٦٩)، (المعجم الوسيط ٢/ ٨٦٤)
(٢) الغلس: ظلمة آخر الليل (القاموس المحيط ١/ ٧٢٣)
(٣) صحيح البخاري ١/ ٢١٠ (٥٥٣) صحيح مسلم ١/ ٤٤٦ (٦٤٥).
[ ١٨٦ ]
(٣/ ٥٤١): ولما نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أن يراكن غير هؤلاء. إلى أن قال (٣/ ٥٤٤): ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ جمع الجلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار وقال ابن عباس وأبو عبيدة أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. اهـ
ولنا شاهد من قول الشافعي كما جاء في المجموع للنووي (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فإن طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره. اهـ
٤) وفي مذهب الإمام أحمد أشار الشيخ الألباني إلى ما سبق أن نقله عن ابن هبيرة وابن قدامة والمرداوي؛ والذي بينا أنه عن عورة المرأة في الصلاة، واستشهدنا من أقوالهم عن عورة النظر بما يأتي:
[ ١٨٧ ]
(ابن هبيرة) قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة.
(ابن قدامة) المغني لابن قدامة (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.
(المرداوي) الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز.
ويكفي صريح قول الإمام أحمد كما في الفروع (٨/ ١٨٦): (ظُفُر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خُفُّها فإن الخُفَّ يصِفُ القدم وأحبُّ إلي أن تجعل لِكُمِّها زرًّا عند يدها لا يبِين منها شيء).
خامسا: احتج الشيخ الألباني بما تناقلته بعض كتب الفقه: " لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء "وذكر ممن قال ذلك كابن قدامة والشوكاني وابن نجيم؛ وقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن المراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء. وليس المراد الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله
[ ١٨٨ ]
تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وبينا ما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء:
كما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (^١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (^٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب.
وما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.
سادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم
_________________
(١) (المكاتب) هو الذي تعاقد مع سيده على مبلغ من المال إذا أداه أصبح حرا.
(٢) سنن أبي داود ٤/ ٢١ (٣٩٢٨) جامع الترمذي ٣/ ٥٦٢ (١٢٦١) وقال حسن صحيح.
[ ١٨٩ ]