عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب (^١).
ولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها للرجال الأجانب حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم والتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:
١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت " تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (^٢). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!
وصح عنها أنها قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا
_________________
(١) قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد في جمهرة اللغة (١/ ٣٧٥): والنقاب: نقاب المرأة إِذا رفعت المقنعة على أنفها.
(٢) سنن سعيد بن منصور، مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (٧٣١) صحح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٠٦. والتويجري في الرد القوي / ٢٤٦، وعبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة /١٠١.
[ ١٩٠ ]
كشفناه". (^١) وفي رواية: "سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل خديها فإذا جاوزنا نزعناه ". (^٢)
وصح عنا أنها قالت " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت". (^٣)
٢ - صح عن ابن عباس - ﵁ - قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (^٤).
٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام" (^٥)
٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (^٦)
_________________
(١) مسند أحمد (٢٤٠٢١)، سنن أبي داود (١٨٣٣)، حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح ٥/ ١٨٥٢، وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح ٢/ ٨٢٣ وفي حجاب المرأة ولباسها في الصلاة لابن تيمية (ص: ٣٣).
(٢) المنتقى لابن الجارود (٤١٨)، مسند إسحاق بن راهويه (١١٨٩) واللفظ له.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٤) أبو داود في مسائله / ١١٠، الشافعي في الأم ٢/ ١٤٩ واللفظ له، وصححه الألباني في الرد المفحم /١٠.
(٥) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) المستدرك على الصحيحين ١/ ٦٢٤ (١٦٦٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٦) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
[ ١٩١ ]
٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (^١)
فهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.
قال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.
[ ١٩٢ ]
أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.
قال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة: البتة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ
وقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي فلا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني على أنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!
[ ١٩٣ ]
١) في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن" ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلًا من فوق خمارها"
وهذا ليس فيه إباحة كشف وجه المرأة المحرمة للرجال الأجانب! فإنه إنما بين أن تغطية وجهها تكون بسدل الثوب عليه من فوق خمارها، وليس لها أن تنتقب برد طرف الجلباب من أسفل وعطفه وشده على الوجه، هذا كل ما يعنيه قول محمد بن الحسن، أما ما فهمه الشيخ من قوله (إذا أرادت) أنه للتخيير؛ فغير صحيح! لأن المراد به هو الشروع في الفعل، أي إذا شرعت بتغطية وجهها لكونها على مرأى من رجال أجانب فلتسدل الغطاء من فوق رأسها. كقولك (إذا أردتِ أن تصلي فالبسي الرداء، أو إذا أردت أن تصلي فصل إلى سترة) فهل يفهم من ذلك التخيير في الصلاة؟!
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام مالك" فإن كانت لا تريد سترًا فلا تسدل" على أنه يخير المرأة كذلك بين الستر أو الكشف!!
وقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ
[ ١٩٤ ]
فإن الذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أن الإمام مالك يرى أن المرأة لا ينبغي لها أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، أما إن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد. قال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.
٣) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام الشافعي" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي " اهـ
وقول الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ٢١٩): وتلبس المرأة السراويل والخفين والقميص والخمار وكل ما كانت تلبسه غير محرمة إلا ثوبا فيه طيب ولا تخمر
[ ١٩٥ ]
وجهها وتخمر رأسها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي الخمار (^١) ثم تسدل الثّوب على وجهها. اهـ
ومراده أيضا كقول الإمام مالك؛ أن المحرمة لا تغطي وجهها إلا للستر من الرجال، ومما يشهد لذلك ويبين أنها مأمورة بالستر عن الرجال لا مخيّرة:
قول الشافعي في مختصر المزني (١/ ٦٥): والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر وأستر لها أن تخفض صوتها بالتلبية وإن لها أن تلبس القميص والقباء والدرع والسراويل والخمار والخفين والقفازين وإحرامها في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه.
وقال النووي في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم والأصحاب يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
_________________
(١) هل يصح اشتراط المجافاة في الساتر: المدونة الكبرى لمالك (٢/ ٤٦١): قلت: فهل كان مالك يأمرها إذا أسدلت رداءها أَن تجافيه عن وجهِها؟ قال ما علمت إنه كان يأمرها بذلك. قلت: فإن أصاب وجهها الرداء؟ قال ما علمت أَن مالكا ينهى عن أن يصيب الرداء وجهها إذا أسدلته. المغني (٣/ ١٥٤): وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا. . . ولم أر هذا الشرط عن أحمد ولا هو في الخبر، مع أن الظاهر خلافه فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان هذا شرطا لبين. عون المعبود (٥/ ٢٠١): وفي نيل الأوطار لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم وظاهر الحديث خلافه لأن المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة فلو كان التجافي شرطا لبينه - ﷺ -.
[ ١٩٦ ]
وفي معرفة السنن والآثار (٤/ ٩): قال الشافعي والمرأة في تلبيتها مثل الرجل إلا أنها لا ترفع الصوت بالتلبية لذهاب أكثر أهل العلم إلى ذلك، وأنها مأمورة بالخفر (^١) والتستر عن كل ما دعى إلى الشهوة من الرجال.
٤) استشهد بقول الإمام أحمد" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها" قال الشيخ الألباني فقوله" ليس به بأس" يدل على جواز السدل.
وقول الإمام أحمد كما في مسائله رواية ابنه أبي الفضل (١/ ٣١٠): بيان معنى إحرام المرأة في وجهها: وسألته عمن قال إحرام المرأة في وجهها ما معناه كأنها لا تجتنب الزينة إلا في وجهها أو كيف؟ قال لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها. اهـ
فقول الإمام أحمد (ليس به بأس) عائد على طريقة التغطية لا على التغطية نفسها. أي ليس في السدل المحظور وهو الشد، وقد روي عن الإمام أحمد ما يبين أن هذا السدل واجب وليس جائز: ففي مسائل ابن هانئ (١/ ١٥٧): سألت أبا عبد الله عن المرأة المحرمة تسدل ثوبها على وجهها؟ قال: تسدله على وجهها إذا لقيت الرفاق، فإذا جاوزت الرفاق كشفت عن وجهها. اهـ
_________________
(١) الخفر: الحياء (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٥٣).
[ ١٩٧ ]
وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما نسبه للأئمة من تخيير المحرمة بين تغطية الوجه أو الكشف؟! إذ لم يحمل أحد ممن سبقه أقوال الأئمة عليه!
قال البغوي في شرح السُنَّة (٧/ ٢٤٠): فإن احتاجت إلى ستر الوجه لحر أو برد، أو منع أبصار الأجانب، سدلت ثوبا على وجهها. وممن قال: تسدل الثوب، عطاء، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. اهـ
ولهذا لم يقل أحد من فقهاء المذاهب بناء على أقوال أئمتهم بأن المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف إذا كانت على مرأى من رجال أجانب:
* مذهب الإمام أحمد:
- شرح العمدة (٣/ ٢٦٨): فإن احتاجت إلى ستر الوجه مثل أن يمر بها الرجال وتخاف أن يروا وجهها فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبا.
- كشاف القناع (٢/ ٤٤٧): فإن غطته لغير حاجة فدت، والحاجة كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها.
[ ١٩٨ ]
- منار السبيل (١/ ٢٣٧): فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريبا منها سدلت الثوب من فوق رأسها لا نعلم فيه خلافا.
- كشف المخدرات (١/ ٣٠٦): وتجتنب تغطية الوجه لكن تسدل عليه لحاجة كمرور رجال قريبا.
- شرح الزركشي (١/ ٤٩٥): إذا احتاجت المرأة لستر وجهها حذارًا من رؤية الرجال سدلت على وجهها ثوبًا ونحوه.
* مذهب الإمام الشافعي:
- أبو الحسين يحيى العمراني (ت: ٥٥٨ هـ) في البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ١٥٤): وإذا أحرمت المرأة .. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس - أي ليس المراد أنها تظهره للرجال - وإنما نريد أنها لا تغطيه فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها.
- الإقناع للماوردي (١/ ٨٩): الثالث تغطية رأس الرجل ووجه المرأة وهو حرام عليهما فإن غطياه عمدا كفرا بدم ولكن لا بأس أن يستظل الرجل سائرا أو نازلا، وتستر المرأة وجهها بما لا يماسه من برقع أو خمار.
[ ١٩٩ ]
- حواشي الشرواني (٤/ ١٦٥): قوله (ولها أن تسدل) بل عليها فيما يظهر، حيث تعيّن طريقا لدفع نظر محرم. قال ع ش بل ينبغي وجوبه ولا ينافيه التعبير بالجواز لأنه جواز بعد منع فيصدق بالواجب.
* مذهب الإمام أبو حنيفة:
- البحر الرائق (٢/ ٣٨١): وفي فتاوي قاضيخان ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة، وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف، فمحمل الاستحباب عند عدمهم.
- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ٤٢١): وفي شرح الطحاوي؛ الأولى كشف وجهها، لكن في النهاية أن السدل أوجب ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.
- حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢/ ٥٢٧): (ولو سدلت شيئا عليه وجافته عنه جاز، بل يندب) والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شيء له فلذلك يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماس وجهها كذا في المبسوط، وقوله بل يندب أي خوفا من رؤية الأجانب، وعبر في الفتح بالاستحباب لكن صرح في النهاية بالوجوب، وفي المحيط ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها.
[ ٢٠٠ ]
* مذهب الإمام مالك:
- عارضة الأحوذي لابن العربي (٤/ ٥٦): قوله في حديث ابن عمر (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض، إلا في الحج فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها.
- إرشاد المسترشد (٢/ ٦١) باب محظورات الإحرام: وكذلك المرأة لا تغطي وجهها ولا كفيها إلا عند ملاقاة الرجال الأجانب.
- مواهب الجليل (٣/ ١٤١): قال في الطراز للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال فإن أمكنها بشيء في يديها كالمروحة وشبهها فحسن وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسها فتسدله على وجهها فعلته وإن رفعت حجز خمارها فألقته على رأسها فلا شيء عليها لأن ستر الوجه ولبس المخيط إنما تجب فيه الفدية مع الطول والانتفاع باللبس من حر أو برد وشبهه مما وضع له ذلك اللباس وليس هذا منه في شيء.
وبذلك ثبت أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة قول ينص على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب، بل إن المنقول عنهم يدل على وجوب تغطية الوجه إذا كانت بحضرة رجال أجانب سواء كانت في الصلاة أو خارجها
[ ٢٠١ ]
وسواء كانت محلّة أو محرمة، إلا أنها حال الإحرام تغطي وجهها بالسدل عليه من فوق رأسها ولا تنتقب.
سابعا: استند الشيخ الألباني في قوله بتخيير المحرمة بين السدل أو الكشف بقول عائشة ﵂" المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مَسَّه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت" (^١)
والذي ينبغي أن يفهم من قول عائشة ﵂ هو؛ تقييد كيفية التغطية بالسدل؛ وإطلاق سببها بقولها "إن شاءت" أي متى أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل سواء كانت على مرأى من رجال أجانب أو لا، أما أن يفهم أن مراد عائشة من قولها "إن شاءت" هو التخيير إذا كانت على مرأى من رجال أجانب فهذا فهم في غاية الضعف!
ثم استشهد الشيخ الألباني على قولها هذا بفعلها وهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلّة الراحلة قلت له: وهل ترى من أحد"اهـ. وهذا ليس فيه حجة على جواز الكشف لأنها لم تكن على مرأى من رجال أجانب، يشهد لذلك قولها " هل ترى من أحد؟ " وكذلك كشفها عن عنقها؛ فإنها لم تقل بأنها كشفت عن وجهها وإنما رفعت الخمار عن عنقها؛ فهل يقال بجواز كشف العنق للرجال الأجانب؟!!
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
[ ٢٠٢ ]
قال النووي في شرح صحيح مسلم (٨/ ١٥٧): المعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد؛ أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه. اهـ
بل إن فعلها الذي يشهد لقولها هو ما أخبرت عنه بقولها: " كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه". (^١)
وهناك شاهدا آخر من فعلها في الصحيح لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر! وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي - ﷺ - مع الرجال، قلت: أبعد الحجاب أو قبل، قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال، قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرَة (^٢) من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال. (^٣)
_________________
(١) مسند أحمد (٢٤٠٢١) سنن أبي داود (١٨٣٣) حسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح ٣/ ١٠٦، وصححه علي القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ١٨٥٢) وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح (٢/ ٨٢٣) وقال في جلباب المرأة / ١٠٨: سنده حسن في الشواهد.
(٢) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.
(٣) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
[ ٢٠٣ ]
قال العيني: فيه طواف النساء متنكرات. (^١) قال المهلب: قول عطاء: قد طاف الرجال مع النساء، يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم.