وبذلك ثبت أن كلا من الآيتين تسمى آية الحجاب، وأن إدناء الجلباب يحمل معنى الحجاب في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وأن كلا الأمرين يقتضي تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب.
ثانيًا: قال الشيخ الألباني إن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾
لايقتضي تغطية الوجه وأن كل ما تعنيه (أن المرأة في دارها لا تكون متجلببة ولا مختمرة فلا تبرز للسائل)!
وهذا مخالف لما فسر به أئمة التفسير هذه الآية، بل ومخالف قبل ذلك لمراد الله منها! فإن الله تعالى أراد بهذا الأمر الحد من دخول الرجال الأجانب على النساء، ومنع النساء عندها من البروز لهم حتى وإن كن مستترات بالجلابيب: وذلك؛ أولًا بتقييد الدخول بسؤال حاجة إذ لم يقل: وإذا دخلتم عليهن فخاطبوهن من وراء حجاب. وثانيًا؛ أن الخطاب والأمر جاء موجها للرجال، ولو كان المقصود هو تستر النساء؛ لجاء الخطاب موجها لهن كما جاء في آية الجلابيب! أو لجاء الأمر لهن بلبس مايسترهن عند مخاطبة الرجال لهن! وثالثا؛ لو كان الأمر كما قال الشيخ الألباني لما قال تعالى بعد هذا الأمر ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ .
[ ٦٥ ]
* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.
* قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٢): قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قد تضمن حظر رؤية أزواج النبي - ﷺ - وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب. . . وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي - ﷺ - وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته.
[ ٦٦ ]
* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ) في تفسيره (٢/ ٨٧٢): فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه.
* قال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها.
* قال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي (ت ٦٠٤ هـ) في تفسيره الكبير مفاتح الغيب (٢٥/ ١٩٥): أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن ثم أمر الرجال بتركهن كذلك ونهوا عن هتك أستارهن.
* قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل (٣/ ٣١٣): ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
[ ٦٧ ]
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال.
* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في تفسيره (٣/ ٥٠٦): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ولو
كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في فتح القدير (٤/ ٢٩٨):
﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي أكثر تطهيرا لها من الريبة وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال وفى هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه. اهـ
وكما سبق من قول شيخ الإسلام (وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن) فلم يقيد شيخ الإسلام ولا أحد ممن سبقه؛ المخاطبة في المساكن من وراء حجاب بكونها إنما تشرع إذا كانت المرأة غير مختمرة ولا متجلببة كما قيدها الشيخ الألباني!!
[ ٦٨ ]