- ثانيا: توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود - ﵃ - لهذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ حيث ظن المتأخرون أن تأويل ابن عباس للزينة الظاهرة بما في الوجه والكفين من الزينة؛ يناقض تأويل ابن مسعود الذي قال إنها تعني الثياب الظاهرة، والصحيح أنه لاتناقض بينهما؛ فإن الآية تضمنت معنيين مترادفين أشار ابن عباس إلى أحدهما وأشار ابن مسعود إلى الآخر، فإن الله تعالى نهى المرأة في هذه الآية عن إبداء زينتها فقال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وهذه الزينة المنهية عن إبدائها كما صح عن ابن مسعود هي " القرط والدملج (^١) والخلخال والقلادة" (^٢) وفي رواية قال " لا خلخال ولا شنف (^٣) ولا قرط ولا قلادة (إلا ما ظهر منها) قال: الثياب" (^٤) ولا يكون للمرأة أن تخفي هذه الزينة إلا بلبس ما يخفيها من خمار ورداء أو ملحفة مما تتخذه المرأة في بيتها، وهو ما عبر عنه ابن مسعود بقوله (الثياب) ويؤكد هذا المعنى أن الله تعالى ثنّى بعد هذا الأمر بقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وليشددنها على جيوبهن حتى لا تنكشف نحورهن بما فيها من الزينة.
_________________
(١) الدملج: المعضد من الحلي (النهاية في غريب الأثر ٢/ ١٣٤).
(٢) ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٧ تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢٢٨ (٩١١٦) واللفظ له.
(٣) الشنف: ما علق في أعلى الأذن، وأما ما علق في أسفلها فقرط (القاموس المحيط/ ٨٢٦)
(٤) المستدرك على الصحيحين (٣٤٩٩) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وفيه شاهد أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها حتى انه قد يُظن أنه يجوز للمرأة أن تبدي لهم الخلاخل والقرطين والقلائد.
[ ٣٩٧ ]
وأما المعنى الآخر الذي ذهب إليه ابن عباس فهو أن المرأة إذا أخفت هذه الزينة بلبس الرداء - دون أن تدنيه على وجهها - وضربت الخمار على جيبها فلن يبقى مكشوفا إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس. وبذلك أمكن جمع كل ما ورد في تأويل قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) واتضح الاتفاق وزال ما يُعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس.
ومما يؤكد ترادف المعنيين وعدم تناقضهما الآتي:
١ - أنه قد صح عن بعض التابعين الجمع بين هذين القولين في تفسير هذه الآية
- قال مجاهد: الثياب والخضاب والخاتم والكحل (^١)
- قال عكرمة: ثيابها وكحلها وخضابها. (^٢)
- قال الشعبي: الكحل والخضاب والثياب (^٣). وفي رواية قال الكحل والثياب. (^٤)
- قال الحسن: الوجه والثياب. (^٥)
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٤٠١)
(٢) يحيى بن معين في (الفوائد) ١/ ١٧٢ وقال إسناده صحيح.
(٣) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٧)
(٥) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨، مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠١٠) وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية كما سيأتي.
[ ٣٩٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه حجاب المرأة ولباسها في الصلاة (١/ ١٩): ولذلك ذهب بعض السلف إلى الجمع بين قوليهما فقال ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٩٤): وقال آخرون عني به الوجه والثياب؛ ثم روى بإسنادين صحيحين له عن الحسن البصري أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: "الوجه والثياب" (^١)
٢ - أنه لم يثبت عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية ما يعارض قول ابن عباس: قال ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ "الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة " فإنه لم يقل الزينة: الوجه والكف والكحل والخاتم! حتى يقال إنه خالف ابن عباس!
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "الثياب" (^٢) ولم يقل تغطي الوجه والكفين بالثياب حتى يقال إنه خالف ابن عباس!
وقول ابن عباس ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكف والوجه؛ ليست موضعا للخلخال ولا للقرط ولا للقلادة حتى يقال إنه خالف ابن مسعود!
_________________
(١) عن عثمان البتي قال" ما فسر الحسن آية قط إلا عن الأثبات" سنن أبي داود (٤٦٢٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٢٠٦.
(٢) تفسير ابن جرير الطبري ١٨/ ١١٨ تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٤٠٠) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٤) المعجم الكبير ٩/ ٢٢٨ (٩١١٥).
[ ٣٩٩ ]
فما وجه الخلاف إذن؛ وابن مسعود لم يعُدّ مما سيَخفَى من الزينة تحت الثياب؛ ما أظهره ابن عباس من الوجه والكف، وابن عباس لم يُظهر ما أخفاه ابن مسعود تحت الثياب!!
وهذا يبين خطأ الشيخ الألباني في قوله في كتابه الجلباب/٥٣: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين:
الأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة، فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها.
والآخر: أن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ اهـ
[ ٤٠٠ ]
وبيان خطأ الشيخ الألباني في ذلك يتضح بالآتي:
إذا صح الإسناد إلى ابن مسعود؛ فينبغي أن يكون قوله هو المقدم في تفسير كتاب الله وهو من أعلم صحابة رسول الله - ﷺ - بكتاب الله، كما ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٥١٩): قال أبو وائل لما أمر عثمان بالمصاحف أن تشقق قال عبد الله "لا أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني" قال أبو وائل: فقمت إلى الخلق لأسمع ما يقولون؛ فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه. وقال عقبة بن عمرو الأنصاري: ما أرى رجلا أعلم بما أنزل الله ﷿ على محمد - ﷺ - من عبد الله بن مسعود. وقال أبو موسى الأشعري ليوم أو ساعة أجالس فيها عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل. وقال لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم. اهـ
كما أنه قد وافق ابن مسعود جمع من التابعين ممن قرن في تفسير الزينة الظاهرة بين الوجه والكفين؛ والثياب كما أسلفناهم، وأضف إ ليهم من وافقه: -كعبيدة السلماني ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (^١)
وموافقته هنا لابن مسعود في تفسير هذه الآية يشهد لما ذكرنا من كونه أخذ تفسير آية إدناء الجلابيب عن ابن مسعود أيضا.
_________________
(١) يحيى بن معين (الفوائد) ١/ ١٧٢ وقال إسناده صحيح.
[ ٤٠١ ]
- وإبراهيم النخعي في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (^١)
- وماهان الحنفي ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (^٢)
أما قوله (إنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة) فنقول إن ما أطلقه مقيد في رواية أخرى صحت عنه أنه قال في تأويل قوله ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الرداء. (^٣)
أما قوله (إن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية ) فيقال إذا كانت الزينة الأولى هي عين الزينة الثانية؛ فتكون على قول ابن مسعود ليست الثياب الباطنة فقط بل تكون كل ما سينكشف من الزينة إذا وضعت الثياب الظاهرة؛ وهذا ما أقره الشيخ الألباني؛ فقال إنه لا يجوز إبداء أكثر من هذه المواضع من الزينة حيث قال في الرد المفحم (ص: ٧٥): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود. . . فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٦) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٤٦ (١٧٠٠٩) وماهان الحنفي أبو سالم الكوفي الأعور العابد روى عن بن عباس وأم سلمة ثقة عابد قتله الحجاج سنة ثلاث وثمانين (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤، تقريب التهذيب ١/ ٥١٨)
(٣) تفسير الطبري ١٨/ ١١٨، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٤ (١٤٣٩٩).
[ ٤٠٢ ]
أن تُبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع ولا تخفى كثرة المفاسد التي تترتب من تكشف النساء أمام النساء المسلمات بل وأمام الذمّيات أيضًا، بل وأمام الرجال المحارم أيضًا".اهـ
والقرآن يشهد لصحة تفسير ابن مسعود؛ والقرآن يفسر بعضه بعضا:
١ - فإن الرخصة بوضع الثياب للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء ذلك عن ابن عباس قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور ٦٠. (^١) فإذا كانت الآية الناسخة فيها استثناء النساء القواعد بالإذن لهن بوضع الثياب دل ذلك على أن الآية الأولى فيها عدم الإذن بوضع الثياب، وهذا يوافق ما قال ابن مسعود.
٢ - كما أخرج الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١ ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قال الثياب. (^٢)
وهذه موافقة من ابن عباس لابن مسعود في تفسير الزينة بالثياب.
_________________
(١) سنن أبي داود ٤/ ٦٣ (٤١١١) حسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣. وانظر الناسخ والمنسوخ للمقري ١/ ١٣٤ والناسخ والمنسوخ للكرمي ١/ ١٥٧ وناسخ القرآن ومنسوخه ١/ ٤٣.
(٢) تفسير الطبري ٨/ ١٦٠.
[ ٤٠٣ ]
بل إن تفسير الزينة بالوجه والكفين هو خلاف ظاهر القرآن ولغة العرب، إلا أن يكون المراد مافي الوجه والكفين من الزينة:
قال الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٥١٦): الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول.
كما أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف ٣١، وقوله تعالى (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) الكهف ٧، وقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف ٤٦، وقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) الصافات ٦، وقوله تعالى (فخرج على قومه في زينته) القصص ٧٩، وقوله تعالى عن قوم موسى: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) طه ٨٧، وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) النور ٣١، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب; كقول الشاعر (يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل) وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر. اهـ
[ ٤٠٤ ]
* ثالثا: ومما يشهد أن نهي المرأة عن إبداء زينتها لمن يحل لهم رؤيتها ممن لم يستثن في الآية يحمل معنى لبسها لما يخفي هذه الزينة من الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة أو جلباب) مع ضرب الخمار على الجيب؛ الأمور الآتية:
١) ما أسلفناه من أن الرخصة بوضع الجلباب والرداء للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء عن ابن عباس ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. (^١) وقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله (أن يضعن ثيابهن)؛ الجلباب والرداء. (^٢) فإذا كانت آية القواعد التي هي رخصة بوضع الجلباب أو الرداء في البيت؛ هي استثناء من قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ دل ذلك على أن المراد بالنهي في قوله (ولا يبدين زينتهن) هو نهي المرأة عن وضع الثياب الظاهرة إلا لمن سماهم الله في الآية؛ ثم جاءت الرخصة للقواعد بوضع الثياب في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن دون حجاب ممن لم يسم في الآية ممن يعد غريبا عليهن وليس بمحرم لهن من العبيد المملوكين للغير والأتباع ونحوهم.
_________________
(١) سنن أبي داود ٤/ ٦٣ (٤١١١) حسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٦٣. وانظر الناسخ والمنسوخ للمقري ١/ ١٣٤ والناسخ والمنسوخ للكرمي ١/ ١٥٧ وناسخ القرآن ومنسوخه ١/ ٤٣.
(٢) تفسير الصنعاني ٣/ ٦٣، تفسير الطبري ١٨/ ١٦٦، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣.
[ ٤٠٥ ]
يشهد لذلك ما جاء في تأويل هذه الرخصة للقواعد:
- قال ابن عباس: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب. (^١)
- أخرج ابن أبي حاتم: عن مجاهد قال: تضع الجلباب في الدار والحجرة.
- وعن سعيد بن جبير قال: هو الجلباب من فوق الخمار فلا باس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق وعنه في قول الله (وأن يستعففن خير لهن) قال: يعني وألا يضعن الجلباب من فوق الخمار عند غير ذي محرم خير لهن من أن يضعنه.
- وعن مقاتل بن حيان قال: أن يضعن الجلباب ولا يضعن الخمار وروي عن الحسن وقتادة الزهري والاوزاعي نحو قول مقاتل بن حيان.
- وعن أبي صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. (^٢)
- وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. (^٣)
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري ١٨/ ١٦٥، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤١ (١٤٨٤٤) والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٣ (١٣٣٠٩) وصححه الشيخ عبد العزيز الطريفي في الحجاب في الشرع والفطرة ص/ ١٢٦
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤١ (١٤٨٤٥) (١٤٨٥٥) (١٤٨٤١) (١٤٨٤٢).
(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ١٢/ ٣١٠
[ ٤٠٦ ]
* كما فسرها بذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ يقول فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة.
- وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧٢): قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها.
* كما يؤيد ذلك تأويل قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ بما يدل على ذلك:
- عن الحسن وقتادة قالا: "باديات عن النحر" وقال مقاتل بن حيان: ليس لها أن تضع الجلباب لتريد بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة. (^١)
- قال شهاب الدين في التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ٣١٣): ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مكشوفات الشعور.
- وقال النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٧) في قوله ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٤٢ (١٤٨٥٠) (١٤٨٥٢)
[ ٤٠٧ ]
فهذه الأقوال تؤكد أن النهي عمّا يمكن أن تكشفه المرأة في بيتها. وهو التبرج الذي نهى الله النساء عنه بعدما أمرهن بالقرار في بيوتهن. قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣ وهذه الآية مما حملها المتأخرون أيضا على غير محملها، والمراد بها والله أعلم نهي المرأة عن إظهار مالا يحل إظهاره من زينتها أمام من يحل له الدخول عليها دون حجاب.
قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقى الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
قال الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤): وقيل إن التبرج هو إظهار الزينة وإبراز المرأة محاسنها للرجال.
٢) الآثار التي تدل على لبسهن لهذه الثياب - الأردية - في البيوت:
- ما ورد عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر. وما روي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. (^١)
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٣٧١).
[ ٤٠٨ ]
- وما ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار) (^١)
- وما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت (لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها (^٢) فتجلبب به) (^٣).
- وما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة) (^٤).
* وهذا مما أشكل على الشيخ الألباني فظن أن هذه الأردية التي تتخذها النساء في البيوت هي الجلابيب التي أُمرت بإدناءها عند الخروج ولذلك قال في كتابه جلباب المرأة (ص ١٢١): واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء وذلك لأمرين: الأول: قوله - ﷺ -: (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه) والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.
(٢) الجلباب: الإزار (غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٦٣).
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧١ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٣٥.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧ (٦١٧٥) وصححه الألباني في جلباب المرأة /١٣٥.
[ ٤٠٩ ]
١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر.
٣ - عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة.
٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة.
٥ - عن سعيد بن جبير: أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.
والجواب عليه بالآتي:
أولا: قوله (واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا)؛ مناقض لقوله في الصفحة التي تسبقها (ص ١٢٠): والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات
[ ٤١٠ ]