النساء) (^١) قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٢٩٤): حذاق شيوخنا زعموا أن هذا الحرف مغير فى كتاب مسلم، وأن صوابه: " من سفلة الناس " وكذا رواه النسائى فى سننه، وابن أبى شيبة فى مصنفه، وذكره من طريق آخر: " فقامت امرأة ليست من علية النساء " ويعضده قوله بعدها " سفعاء الخدين".اهـ ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم المتقدمين على جواز كشف النساء.
(الحديث الثالث) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث سهل بن سعد" صحيح البخاري (٦/ ١٩٢): أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -] وهو في المسجد [فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست" (^٢)
أولا: نسوق الحديث بتمامه كما عند البخاري في صحيحه:
عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه،
_________________
(١) كما عند أحمد بن حنبل في مسنده ١/ ٣٧٦ (٣٥٦٩) والنسائي في سننه الكبرى ٥/ ٣٩٨ (٩٢٥٧) وابن حبان في صحيحه ٨/ ١١٥ (٣٣٢٣) المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٠٧ (٢٧٧٢) وصحح إسناده.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩) صحيح مسلم ٢/ ١٠٤٠ (١٤٢٥) وما بين الأقواس للطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٩٠ (٥٩٦١).
[ ١٣٠ ]
فقال: أي رسول الله، إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: (هل عندك من شيء)؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: (انظر ولو خاتما من حديد) فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله - ﷺ - موليا فأمر به فدعي، فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن)؟
قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا - عددها - قال: (أتقرؤهن عن ظهر قلبك)؟ قال: نعم، قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). (^١)
والجواب عليه بالآتي:
١) ليس في نظر سهل بن سعد إليها حجة: لأن سهل حينها كان غلاما لم يبلغ الحلم، كما ثبت في السير أنه كان له من العمر عند وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. (^٢) كما يحتمل أن هذا كان قبل نزول الحجاب، وليس في الحديث ما يبعد ذلك.
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٩٥٦ (٤٧٩٩).
(٢) تهذيب التهذيب ٤/ ٢٢١، الإصابة ٣/ ٢٠٠.
[ ١٣١ ]
٢) على فرض أن هذا الحديث كان بعد الحجاب وأن هذه المرأة كانت كاشفة لوجهها على مرأى من الصحابة، فلا حجة فيه أيضا؛ لأن هذه المرأة كانت من الإماء، أذن لها مولاها أن تتزوج ومما يشهد لذلك:
أن البخاري بوب لهذا الحديث في صحيحه (٥/ ١٩٥٦) باب تزويج الْمُعْسِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآية هي كما قال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ النور: ٣٢ يشهد لذلك فقر الرجل الذي تزوجها حتى إنه لم يجد حتى خاتما من حديد، بل كان لا يملك إلا إزاره الذي عليه من غير رداء. كما يشهد لذلك أيضا المهر الذي رضيه رسول الله - ﷺ - لهذه المرأة؛ (أعطها ولو خاتما من حديد) (^١). كما أن رسول الله تولى تزويجها دون الرجوع لأهلها، ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر للنساء؛ فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف المرأة لوجهها، بل لم يتطرق شراح الحديث ولا غيرهم ممن يستشهد بهذا الحديث إلا لنظر رسول الله - ﷺ - لها على أنه من باب نظر الرجل للمرأة يريد أن يتزوجها.
_________________
(١) قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٢١٠): قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولا) النساء: ٢٥ يدل على أن صداق الحرة لا بد وأن يكون ما يطلق عليه اسم مال له قدر، ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة.
[ ١٣٢ ]