استدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول، واستثنوا الأموال الظاهرة من منع الدين إيجاب الزكاة فيها، وعللوا ذلك بما يلي:
١ - أن النبي - ﷺ - كان يبعث السعاة والخُرَّاص، لأخذ الزكاة من المواشي والحبوب والثمار، ولم يكونوا يسألون أصحابها عن الدين، وهذا يدل على أن الدين لا يمنع الزكاة فيها (٥).
_________________
(١) ينظر: المحلى ١/ ٦٥.
(٢) ينظر: أدلة القول الأول في هذه المسألة.
(٣) ينظر: الحاوي ٣/ ٣١٠.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٢.
(٥) ينظر: المغني ٤/ ٢٦٥. ومما يستشهد به في ذلك بعث النبي - ﷺ - معاذا كما في صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم: (١٤٢٥)، كما روى البخاري في قصة بعث عمر لجمع الزكاة، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم: (١٣٠٠) وغيرها من الروايات.
[ ٦٥ ]
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: بأنّ الأصل انتفاء الدين وبراءة الذمة، وعلى من دفع وجوب الزكاة عليه بكونه مدينًا أن يثبت دعواه، فلا يصدق قوله إلا ببينة (١)، كما أن الأصل في المال الذي تحت يد حائزه أنه له، فلا حاجة لسؤاله عن ملكه له، أو استحقاقه لغيره بالدين (٢).
الوجه الثاني: بأننا لو قررنا لزوم السؤال مع عدم نقله، فإنَّ ذلك دال على أن الزكاة تتعلق بالمال دون الذِّمة، وهذا لا فرق فيه بين الأموال الظاهرة والباطنة، فإذا كان الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة فكذا لا يمنع في الأموال الباطنة، لا سيما والعمومات شاملة للنوعين (٣).
٢ - أنَّ تعلّق أطماع الفقراء بالأموال الظاهرة أكثر، فتكون الزكاة فيها أوكد (٤).
ونوقش: بأنّ هذا التعليل لا يقاوم عموم الأدلة السابقة، وأن الدين يمنع وجوب الزكاة في سائر الأموال، لا سيما وأن البطون والظهور في المال أمر نسبي، فربما أصبحت عروض التجارة في عصرنا أشد ظهورًا من الماشية، وتعلق الفقراء بها أعظم، فلا ينبغي التعويل على الظهور والبطون في مثل ذلك لكونه نسبيًّا (٥).
_________________
(١) ينظر: الأموال لأبي عبيد (٥٠٩)، قال ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٥٣٥: إذا جاء الرجل وقال: أنا فقير، أو مسكين، أو غارم، أوفي سبيل الله، أو ابن السّبيل، هل يقبل قوله، أم يقال له: أثبت ما تقول؟ فأما الدين فلا بد من أن يثبت، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد لها ويكتفى به فيها. . . وانظر فقه الزكاة للقرضاوي ١/ ١٧٨.
(٢) ينظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (ص ١١٣).
(٣) ينظر: الممتع ٦/ ٣٨.
(٤) ينظر: الشرح الكبير ٦/ ٣٤٢.
(٥) ينظر: فقه الزكاة ١/ ١٧٨.
[ ٦٦ ]
٣ - أن الحرث والماشية ينموان بأنفسهما فكانت النعمة فيهما أتم، فقوي إيجاب الزكاة شكرًا للنعمة، فلا يؤثر في سقوطها الدين بخلاف النقد (١).
٤ - واستدل الحنفية على استثناء الخارج من الأرض: بأن زكاتها حق الأرض فلا يعتبر فيه غنى المالك، ولا يسقط بحَق الآدمي وهو الدين (٢).
ويناقش: بأن أدلة اشتراط الغنى فيمن تجب في ماله الزكاة عامَّة، ولم تفرق بين مال المدين إذا كان خارجا من الأرض أو غير ذلك (٣).
أما اشتراطهم في الدين المانع من وجوب الزكاة أن يكون له مطالب من العباد.
فيناقش: بأنه لا دليل عليه، بل الدليل بخلافه، فدين الله من كفارة ونذر ونحوه كدين الآدمي في منعه لوجوب الزكاة، وذلك لوجوب قضائه لقوله - ﷺ -: "دين الله أحق أن يقضى" (٤) (٥).