التعاون بما يحقق مصالح العمل
إننا إذا نظرنا إلى الإسلام نظرة شاملة، وجدنا مبدأ التعاون يتغلغل في جميع جوانب الحياة، الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحتى الإنسان فإنه بطبعه لا يُمكن له إلا أن يعيش في مجتمع، يُعينه ويستعين به، وإهمال هذا المبدأ يؤدي - بالتأكيد- إلى ظهور صفة السلبية في التعامل بين أفراد المجتمع، واللامبالاة بهموم الناس ومشاكلهم، خصوصًا إذا انعدمت قناعة الشخص بالتعاون، إلا إذا كان على أساس مادي، أو بمقابل، أو مشروط بمنفعة مقابلة.
كما أن العمل الجليل والإنتاج الغزير لا يتحققان إلا بطريق العمل الجماعي، وهذا بخلاف العمل الفردي الذي لن يثمر إلا شيئًا يسيرًا من الأعمال التي تتناسب مع مستوى طاقة الفرد.
ولا ريب أن الحالة النفسية للعامل لها أثرها الطيب في زيادة الإنتاج، وكثرة العطاء، لذلك كان لا بدّ من الحرص على تنمية ملكة التعاون بين العمّال، وهذا لا بدّ من تأصيله شرعًا حتى لا يُعتبر نافلة من القول، بل هو واجب جاء به قول الله - ﷾ -: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، ولقد ضرب لنا الرسول - ﷺ - مثالًا غاية في الروعة، وشعورًا بضرورة التعاون حيث روى أبو سعيد الخدري - ﵃ - فقال:" بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ -، إذ جاء رجلٌ على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال النبي - ﷺ -: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضلٌ من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل" (٢)، ومن هذا الحديث يُمكن استنباط قاعدة أخلاقية في العمل وهي أنّ من كان معه فضلٌ من وقت فليعد به على من لا وقت لديه من زملائه في العمل لأداء مهامه، وهي قاعدة جليلة في أثرها إذا تم مراعاة التخصص والخصوصية.
ولقد حثّ الرسول - ﷺ - على معونة العمّال فقال:" يا أبا ذر أعيّرته بأمّه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خَولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس،
_________________
(١) سورة المائدة، آية رقم ٢.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، ص٨٧٣، برقم (١٧٢٨).
[ ٦٩ ]
ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (١)، وقوله أيضًا:" المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا" (٢).
وفي هذا المجال يُمكن تقسيم الناس باعتبار ما يقدمونه من معونة لبعضهم، وبما يحققه هذا التعاون من معاني الأخوة والإنتاج إلى أقسام أربعة على النحو الآتي:
١. من يُعين ويستعين، وهذا الذي يؤدي ما عليه من واجبات ويأخذ ما له من حقوق، وهو أعدل الناس.
٢. من لا يُعين ولا يستعين، وهذا النوع من الناس منع خيره وقمع شرّه، فلا هو مع الأصدقاء فيُرتجى نفعه، ولا مع الأعداء فيُخاف شرّه، وهو متروك بين الناس ومُلام بينهم.
٣. من يستعين ولا يُعين، وهذا صاحب طبع لئيم وسجية مرفوضة، حيث يطلب من الناس العون، ولا يُقدّم لهم المعونة عند حاجتها.
٤. من يُعين ولا يستعين، وهو صاحب خُلُق كريم، فهو لا يتوانى في مساعدة الآخرين، ويمنعه تعففه من طلب العون. (٣).
وحبّذا لو جعل العامل نفسه مع القسم الأخير، وإن كان من الصعوبة بمكان؛ لأنه لا يُمكن للإنسان أن يقضي حاجاته دون طلب العون من أحد، وإن عُدم ذلك فليكن من الصنف الأول الذي يُقدّم واجبه ثم يطالب بحقه.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان، باب المعاصي من أهل الجاهلية ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، ص٢٧ برقم (٣٠). ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب إطعام الملوك مما يأكل وإلباسه ما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، ص٨٣٢، برقم (١٦٦١)
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، ص١٥٢٨، برقم (٦٠٢٦)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ص ١٠٨٧، برقم (٢٥٨٥).
(٣) الماوردي، أدب الدنيا والدين، ص ١٧٢،بتصرف.
[ ٧٠ ]