التكييف الفقهي لوظيفة العامل
الشائع استعمال عقد الإجارة على الأشخاص للدلالة على وظيفة العامل، مع أن هناك مصطلحات أخرى يستعملها الفقهاء، وهي عقد إجارة الأشخاص، أو عقد الإجارة على العمل، أو عقد منافع الأشخاص، والمصطلحات الثلاثة وإن كانت صحيحة، إلا أن الأدقَّ منها هو عقد الإجارة على العمل، أو منفعة الشخص (١)، ومن جهة أخرى فإن الإجارة على عمل الأشخاص هو أحد نوعي الإجارة عند جمهور الفقهاء (٢)، في حين ذهب المالكية إلى أن لفظ الإجارة يُستعمل للإجارة على عمل الأشخاص، واستعملوا لفظ الكراء على الإجارة الواردة على الأعيان فقالوا:" الإجارة تُطلق على منافع من يعقل، وأن الكراء يُطلق على العقد الوارد على منافع من لا يعقل" (٣) لذلك فإن إجارة الأشخاص تقع على صورتين:
الأولى: الأجير الخاص: الذي استؤجر على أن يعمل للمستأجر فقط، ويُسمّيه الفقهاء أجير الوَحد (٤)، كالخادم، والموظف، والعامل في شركة أو مؤسسة، فهو يعمل لمعيّن عملًا مؤقتًا، ويكون عقده لمدة، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه في هذه المدة؛ لأن منافعه صارت مستحقة لمن استأجره في مدة العقد (وحول هذا النوع تجري دراستنا بإذن الله تعالى).
_________________
(١) القرة داغي، علي، الإجارة على منافع الأشخاص دراسة فقهية مقارنة في الفقه الإسلامي وقانون العمل، ص٦،البحث مقدم للمجلس الأوروبي للإفتاء. http://www.e-cfr.org/ar/index.php
(٢) الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج٤،ص٣١،دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي، ج٣، ص١٢٦٧.الحصيني، تقي الدين بن محمد الحسيني، كفاية الأخيار في حلّ غاية الاختصار، ط٣، ج١، ص٥٨٤، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان. البرماوي، ابراهيم، حاشية البرماوي على شرح الغاية لابن قاسم الغزّي، ١٧٨، بدون رقم طبعة، المطبعة العامرية، مصر. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد، المغني، ج ٦، ص٤١،طبعة سنة ١٩٧٢م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
(٣) الدسوقي، محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج ٤، ص٤،ط١،دار الفكر، بيروت، لبنان. ابن عبد البر، يوسف، فتح المالك على موطأ الإمام مالك، تحقيق الدكتور مصطفى صميدة، ط١، ١٩٩٨م، ج٨، ص٢٢٩، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٤) ابن الهمام، كمال الدين عبد الواحد، فتح الفدير، ج٩ن ص١٢٠، دار الفكر، بدون رقم طبعة، بيروت، لبنان.
[ ١١ ]
الثانية: الأجير المشترك، وهو الذي يعمل لأكثر من مستأجر وبعقود مختلفة، ولا يتقيّد بالعمل لواحدٍ دون غيره، كالطبيب في عيادته أو المهندس في مكتبه، وهذا يستحق أجره على العمل وليس على المدة، وقد جاء في المادة رقم (٤٢٤) من مجلة الأحكام العدلية (١) أن الأجير المشترك لا يستحق الأجرة إلا بالعمل، وجاء أيضًا في المادة رقم (٤٢٥) من المجلة نفسها أن الأجير الخاص يستحق الأجرة إذا كان في مدة الإجارة حاضرًا للعمل، ولا يُشترط عمله. (٢) ويتبن لنا أن الفروق بين الأجير الخاص والأجير المشترك -كما ورد في شرح المجلة- من وجوه:
الوجه الأول: من حيث الماهية، وسبق بيانه؛ إذ إن الأجير الخاص يعمل للمستأجر فقط، والأجير المشترك يعمل للمستأجر وغيره.
الوجه الثاني: من حيث استحقاق الأجرة؛ فالأجير المشترك لا يستحق أجرة عمله إلا بالعمل؛ لأن عقد الإجارة من عقود المعاوضة، والمعاوضة تقتضي المساواة، فإذا سلّم الأجير المشترك العمل إلى المؤجِّر استحق أن يستلم أجرته على ذلك، فالعمل يستلزم الأجرة والأجرة لا تُستحق إلا بالعمل المتقن حسب الاتفاق، أما الأجير الخاص فيستحق الأجرة بمجرد تسليم نفسه، ولو لم يعمل، فإذا منعه مانع من العمل، كانقطاع الكهرباء، أو انعدام الموادّ الخام في المنشأة فإنه يستحق الأجر.
الوجه الثالث: من حيث الضمان، فالأجير الخاص لا يضمن ما يهلك في يده، إلا إذا هلك بتعدٍّ أو تقصير منه، أما الأجير المشترك فإنه يضمن ما يهلك في يده ولو لم يتعدّ، كمن أخطأ في صناعة ثوب فجاء قصيرًا، لا يمكن لبسه بأي حال من الأحوال، فإن الأجير المشترك (الخياط) يضمن الثوب، ويُلزم بصناعة آخر بدل التالف.
الوجه الرابع: من حيث رعي الفروع، فالأجير الخاص يُجبر على رعي فروع الأغنام إذا عمل راعيًا، أما الأجير المشترك فلا يُجبر على ذلك (٣).
_________________
(١) تعتبر أول قانون مدني إسلامي، قامت على أساس تقنين رسمي للفقه الإسلامي، وذلك خلال عهد الإمبراطورية العثمانية، حينما صدرت رسميًا بمرسوم السلطان العثماني عبد العزيز بن محمود الثاني في عام ١٨٦٩م، وتوطد نفاذها في عام ١٨٧٦م في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لتطبق أحكامها إلزاميًا في محاكم جميع الأقاليم الإسلامية الخاضعة لها، ضمّت١٨٥١ مادة قانونية. (موقع وزارة العدل الفلسطينية) http://www.moj.ps/index.php?option=com
(٢) باز، سليم رستم، شرح المجلة، ص٢٣٨ - ٢٣٩، ط٣، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
(٣) القاضي، منير، شرح المجلة، ج١، ص٤٦٦ - ٣٤٨، ط١، مطبعة العاني، وزارة المعارف العراقية، بتصرف.
[ ١٢ ]
ومما يدل على مشروعية الإجارة على الأشخاص، تلك الأدلة من الآيات القرآنية المطهّرة والأحاديث النبوية الشريفة، وإجماع أهل العلم منذ عهدٍ بعيد، وكذلك المصالح المتحققة من الإجارة، وهذه الأدلة على النحو الآتي:
أولًا: من القرآن الكريم.
١. قول الله - ﷾ -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (١) ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الله - ﷾ - أمر بإعطاء الأجر للمرضعة على عمل الرضاعة، وهذا يدل على مشروعية ذلك، كما يدل على وجوب الالتزام بدفع الأجر مقابل العمل في الإجارة، حيث يقول الإمام الشافعي (٢) -﵀-:" فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلّته، وكثرة اللبن وقلّته، ولكن لما لم يوجد فيه إلا هذا جازت الإجارة عليه، وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في مثل معناه وأحرى أن يكون أبين منه" (٣) وجاء في تفسير الآية السابقة:"ويدل على أن الأُجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد، لأنه أوجبها بعد الرضاع " (٤)، قال الله - ﷾ -:" ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ (٥)،
والرضاع يختلف، فيكون صبي أكثر رضاعًا من صبي، وتكون امرأة أكثر لبنًا من امرأة أخرى، ويختلف لبنها فيقلّ ويكثر، فتجوز الإجارات على هذا؛ لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به من هذا.
_________________
(١) سورة الطلاق، آية رقم ٦.
(٢) محمد بن إدريس بن العباس، ولد بغزة سنة ١٥٠هـ، مات أبوه وهو شاب، وبرع في الرمي، كان يقول لأهل الحديث:" أنتم الصيادلة ونحن الأطباء" توفي يوم الخميس سنة ٢٠٤هـ. الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، أشرف على التحقيق شعيب الأرنؤوط، ج١٠، ص ٥. ط١١، ١٩٩٨م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
(٣) الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، تحقيق خيري سعيد، ج٤، ص٣٨، بدون رقم طبعة، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر.
(٤) الجصاص، أحمد بن علي، أحكام القرآن، ج٣، ص٤٦٣، بدون رقم طبعة، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
(٥) سورة الطلاق، آية رقم ٦ ..
[ ١٣ ]
٢. استدلوا بقول الله - ﷾ -: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) حيث جاء في تفسيرها:" أي جعلنا ذلك؛ لأننا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدًا، ولم يصر أحد منهم مسخرًا لغيره، وحينئذ يقتضي ذلك خراب العالم وفساد نظام الدنيا" (٢) كما تشير هذه الآية الكريمة إلى أهمية الإجارة في إعمار الأرض، وتحقيق وظيفة الاستخلاف فيها وتطبيق هذا المبدأ واقعًا عمليًا.
٣. استدلوا أيضًا بقول الله - ﷾ -: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) ووجه الاستدلال من هذه الآية الكريمة أنها تدل على رفع الحرج عمن يستأجر امرأة لإرضاع ولدٍ من أولاده بالأجر، وفي ذلك دليلٌ على مشروعية إجارة الأشخاص.
٤. قول الله - ﷾ -: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨﴾﴾ (٤) ووجه الاستدلال أن الآيات تحوي دلالة واضحة على جواز الاستئجار على العمل؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ (٥)،ويؤيد ذلك أن الإمام البخاري (٦) - ﵀- عقد لذلك بابًا خاصًا وجعل له عنوانًا (باب إذا استأجر اجيرًا فبيّن له الأجل ولم يبيّن له العمل" لقوله - ﷾ -: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٧) وقد احتجّ الإمام الشافعي -﵀- بهذه الآية على مشروعية الإجارة (٨).
_________________
(١) سورة الزخرف، آية رقم ٣٢.
(٢) الرازي، فخر، التفسير الكبير، ج٢٧، ص ٢٠٩، ط٢، دار الكتب العلمية، طهران، إيران.
(٣) سورة البقرة، آية رقم ٢٣٣.
(٤) سورة القصص، الآيات ٢٦ - ٢٨.
(٥) ابن العربي، محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، ج٣، ص ٤٩٦،ط١، ٢٠٠٥م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٦) محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤ - ٢٥٦هـ) ولد في بخارى ونشأ يتيمًا، زار خراسان والعراق ومصر والشام، سمع من نحو أكثر من ألف شيخ، تعصب عليه جماعة فقصد سمرقند. الزركلي، خير الدين، الأعلام، ج ٦،ص ٣٤،ط٤،دار العلم للملاين، بيروت.
(٧) سورة القصص، آية رقم ٢٧
(٨) ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج٤، ص٤٤٤، بدون رقم طبعة، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
[ ١٤ ]
٥. احتجوا بقوله - ﷾ - في قصة موسى ﵇: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (١) وقد دلت الآية على جواز أخذ الأجر على العمل، كما دلّت على جواز الإجارة واستباحة الأجرة. (٢)
٦. استدلوا بقوله - ﷾ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾ (٣) حيث نزلت في قوم كانوا يؤجرون- يكرون- أنفسهم في موسم الحج، وأن أناسًا آخرين كانوا يزعمون أنهم ليسوا حجاجًا، فنزلت لتدلّ على أن ابتغاء الرزق عن طريق الإجارة لا يمنع كونهم حجاجًا. (٤)
ثانيًا: من السنة النبوية: أفرد صاحب أصحّ مؤلفات الحديث كتابًا في صحيحه سمّاه (كتاب الإجارة) ضمّ اثنين وعشرين بابًا، ضمّت ثلاثين حديثًا مرفوعًا (٥)، المعلّق (٦) منها خمسة، والبقية موصولة (٧)، ووافقه الإمام مسلم (٨) على تخريجها، سوى حديث أبي هريرة (٩) - ﵃ - في رعي الغنم، ثم حديث " المسلمون عند
_________________
(١) سورة الكهف، آية رقم ٧٧.
(٢) الماوردي، علي بن محمد بن حبيب، الحاوي الكبير، تحقيق محمود مسطرجي، ج ٩، ص٢٥٧، طبعة سنة ١٩٩٤م، دار الفكر، بيروت.
(٣) سورة البقرة، آية رقم ١٩٨.
(٤) ابن كثير، اسماعيل، تفسير القرآن العظيم، تحقيق عبد الرزاق المهدي، ج١، ص٤٨٦ طبعة عام ٢٠٠٥م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
(٥) الحديث المرفوع: " هو ما أخبر به الصحابي عن فعل الرسول - ﷺ - أو قوله" السيوطي، عبد الرحمن، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق الشيخ عرفات العشّا حسونة، ص١١٦، بدون رقم طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٦) الحديث المعلّق: "وهو ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي" أبو حلبية، أحمد يوسف، المنهاج الحديث في بيان علوم الحديث، ص٦٣، ط٣، ١٩٩٥م، مطبعة الرنتيسي، غزة، فلسطين.
(٧) الحديث الموصول: "هو الذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى منتهاه" ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، تحقيق سعد كريم الدرعمي، ص٣٤، بدون رقم طبعة، دارابن خلدون، الإسكندرية، مصر.
(٨) مسلم بن الحجاج، ولد سنة ٢٠٤هـ، قال عن صحيحه:"ما وضعت في هذا المسند شيئًا إلا بحجة، ولا أسقطت شيئًا منه إلا بحجة"، توفي سنة ٢٦١هـ. الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج١٢، ص ٥٦٥.
(٩) عبد الرحمن بن صخر، أمّه ميمونة بنت صبيح، أسلم سنة ٧هـ، مسنده ٦٣٧٤ حديثًا، المتفق عليه بين البخاري ومسلم ثلاثمائة وستة وعشرون، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين حديثًا، ومسلم بثمانية وتسعين، مات سنة ٥٩ هـ، الزركلي، الأعلام، ج ٢، ص ٥٧٨.
[ ١٥ ]
شروطهم" (١)،
وحديث ابن عباس (٢) - ﵃ - في النهي عن عسب الفحل (ضرابه، أو ماء الفحل) (٣)،أما الإمام أبو داود السجستاني (٤) -﵀- فقد جمعها في كتاب الإجارة نذكر بعضها:
١. حديث عائشة (٥) - ﵂ - في قصة هجرة الرسول - ﷺ - ووالدها - ﵃ - حيث قالت:" واستأجر النبي - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الدّيل (اسم قبيلته) هاديًا خريتًا (الدليل الحاذق (٦) وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صبح ليال ثلاث" (٧).
_________________
(١) الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، حكم على أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني وقال عنه: حسن صحيح، اعتنى به مشهور حسن آل سلمان، ص ٣١٨، برقم (١٣٥٢)، ط١، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية ..
(٢) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، كنيته أبو العباس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات، توفي النبي - ﷺ - وهو ابن عشر سنين، عاش بالطائف سنة ٦٨هـ أيام عبد الله بن الزبير، أخرجه ابن الزبير من مكة إلى الطائف ومات فيها وهو ابن سبعين سنة، دعا له النبي - ﷺ -:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي البيجاوي، ج٣،ص٩٣٧، ط١، ١٩٩٢م، دار الجيل، بيروت، لبنان.
(٣) النسفي، عمر بن محمد، طُلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ط١، ١٩٩٥م، ص٢٦٤، دار النفائس، بيروت، لبنان.
(٤) سليمان بن الأشعث، ولد سنة٢٠٢هـ، صاحب السنن والناسخ والمنسوخ والمراسيل، قال عنه ابن حبان:" أُلين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد"،، توفي سنة ٢٧٢هـ. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، طبقات الحفاظ، ص٢٦٦، ط٢، ١٩٩٤م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(٥) عائشة بنت أبي بكر الصديق، أمها أمّ رومان بنت عامر بن عويمر، تزوجها الرسول - ﷺ - قبل هجرته وذلك بعد وفاة خديجة بنت خويلد، مسندها يبلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، توفيت سنة سبع وخمسين للهجرة. ابن حجر، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، ج٢، ص ٣٥١،بدون رقم طبعة، مطبعة مصر، القاهرة.
(٦) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص١٥١.
(٧) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، ج٣، ص ١١٦، بدون رقم طبعة،١٩٨١م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
[ ١٦ ]
٢. حديث أبي هريرة - ﵃ - عن النبي - ﷺ - أنه قال:" قال الله تعالى:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (١)
٣. حديث أبي هريرة - ﵃ - عن النبي - ﷺ - قال:" ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢).
٤. قول النبي - ﷺ -:" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (٣).
ثالثًا: من الإجماع: انعقد الإجماع على جواز الإجارة منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، وكذلك منذ عصر التابعين وأصحاب المذاهب المعتبرة -﵏-، ولم يشذّ عن الإجماع إلا نفر قليل (٤)،حيث قالوا بعدم جواز الإجارة لاشتمالها على الغرر، ويؤيد الإجماع قول الكاساني (٥) -﵀-:" وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك ، حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا يُعبأ بخلاف، إذ هو خلاف الإجماع" (٦) >
رابعًا: المصالح المعتبرة.
مما لا شك فيه أن جواز الإجارة يحقق مصالح كثيرة للمؤجر والمستأجر، بل تتعدّى المصالح لتشمل المجتمع، وأنّ منعها يترتب عليه حرج شديد يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية في رفع الحرج عن الناس، لقول الله - ﷾ -:" ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧) وكذلك قول الله - ﷾ -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٨)
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إثم من باع حرًا، ج٢، ص٥٠.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، ج ٣، ص ١١٦.
(٣) ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، حكم على أحاديثه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، قال عنه: حديث صحيح، اعتنى به مشهور بن حسن آل سلمان، ص٤١٧، برقم (٢٤٤٣)، ط١، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية.
(٤) أبو بكر الأصم وابن علّية، الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج٤، ص١٧٣.
(٥) علاء الدين بن مسعود، ملك العلماء، مصنف البدائع، تفقه على محمد بن أحمد السمرقندي، قرأ عليه تحفته في الفقه، زوّجه ابنته فاطمة، وذلك بعد أن استطاع شرح تحفته، وجعل الشرح مهرًا لابنته، قال عنه العلماء:" شرح تحفته وزوجه ابنته" توفي يوم الأحد العاشر من رجب سنة ٥٨٧هـ، ودفن عند زوجته التي لم يكن يقطع زيارتها كل ليلة جمعة. القرشي، عبد القادر بن محمد، الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية، تحقيق الدكتور عبد الفتاح الحلو، ج٤،ص٢٨، ط٢، دار هجر، مصر.
(٦) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج٤، ص١٧٤.
(٧) سورة البقرة، آية رقم ١٨٥.
(٨) سورة الحج، آية رقم ٧٨.
[ ١٧ ]
فالناس محتاجون للإجارة، حيث الفقير يحتاج مال الغني، والغني يحتاج لعمل الفقير وخدمته وجهده، والمجتمع عامة يحتاج إلى تبادل الأموال بالمنافع، وكل هذا لا يتحقق إلا بالإجارة، ثم إنّ من مشروعية الإجارة، أنها شُرعت لرفع حاجة الناس، فليس كل واحد من الناس يستطيع السكن في مسكن خاص له، لذلك تندفع الحاجة إلى استئجار بيت يأوي إليه بقليل من المال، كما أن طبيعة المجتمع أن نجد فيه الفقير والغني، فليس للفقير مال يُغنيه عن الفقر، فيلجأ للعمل عند من هو أغنى منه، كل ذلك يكون عسرًا ومشقة لو لم تُشرع الإجارة، أما عن تعريف العامل في اللغة: فهو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة عامل (١)، والعامل هو الذي ينظم الحسابات ويكتبها. (٢)
وقد أطلق فقهاء اللغة لفظ العامل على من يعمل عملًا أو يحترف حِرفة، ونجد كثرة استعمالات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة للفظ العامل، ومنها استعمال القرآن الكريم لفظ العامل بمعنى الرجل الذي يجمع أموال الزكوات والصدقات من أصحابها ليتم إنفاقها على مستحقيها، وذلك في قوله - ﷾ -: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وقد ورد لفظ عامل بمعنى ما يعمله المسلم من عمل للدنيا والآخرة وذلك في قول الله - ﷾ -: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (٤).
كما ورد لفظ العامل في الأحاديث النبوية الشريفة بمعنى الساعي على جمع الصدقات كقول رسول الله - ﷺ -:" العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته" (٥)، أما في العصر
_________________
(١) ابن منظور، لسان العرب، ج١١، ص ٤٧٤.
(٢) الشرباصي، أحمد، المعجم الاقتصادي الإسلامي، ص ٢٨٧، بدون رقم طبعة، دار الجيل، بيروت، لبنان.
(٣) سورة التوبة، آية رقم ٦٠.
(٤) سورة آل عمران، آية رقم ١٩٥.
(٥) أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، حكم على أحاديثه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وقال عنه: صحيح، اعتنى به مشهور بن حسن آل سلمان، ص٤٤٧، برقم (٢٩٣٦)، ط١، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية. والترمذي في سننه، ص ١٦٣،برقم ٦٤٥، كتاب الزكاة، باب ما جاء في العامل على الصدقة بالحق، وقال عنه حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه، ص ٣١٥، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة برقم (١٨٠٩).
[ ١٨ ]
الحالي فقد شاع استعمال كلمة عامل لكل من يعمل بأجرة معينة في عمل فردي أو جماعي، وفقهاء الإسلام استعملوا كلمة عامل لكل من يشارك بجزء من الإنتاج أو الربح (١)، أما أهل القانون فأطلقوا تسمية العامل على من يعمل بأجرة، حيث عرّفه قانون العمل الفلسطيني (٢)
في المادة الأولى بأنه: " كل شخص طبيعي يؤدي عملًا لدى صاحب العمل لقاء أجر، ويكون أثناء أدائه العمل تحت إدارته وإشرافه" (٣)، والعامل بهذا المنى هو موضوع رسالتنا.
ولم يشترط -كبقية القوانين - شروطًا ينبغي توافرها في الشخص حتى يخضع لنصوص قانون العمل، لكن محكمة التمييز الأردنية في قرارها رقم ١٩٥/ ٢٩، م. ن. م، ص٩٤٢/ ١٩٦٩ أقرت أنه يُشترط لاعتبار الشخص عاملًا وينطبق عليه قانون العمل أن تتوفر بحقه الشروط الآتية:
١. أن يكون نشاطه قاصرًا على روابط العمل، ويُفهم من هذا الشرط أنه لا يجوز للعامل أن يعمل عملًا آخر، كما يُحظر عليه القيام بأي نشاط آخر، وهذا مما لا يجوز اشتراطه على العامل.
٢. أن لا تكون الأعمال المنوطة به أعمالًا عرضية مؤقتة، وهذا يعني أن الأعمال الطارئة غير منضوية تحت نصوص قانون العمل، وقد يتعرض العامل في مثل هذه الحالات والأعمال للظلم الذي قد يقع عليه.
٣. أن يكون في حياته معتمدًا على وجه العموم على قانون العمل، بمعنى أن يكون العامل تابعًا اقتصاديًا لصاحب العمل، وهذا فيه إجحاف بحق العامل، وزيادة على القانون، وتحميل للنصوص ما لا تحمله.
_________________
(١) البهوتي، منصور بن يونس، شرح منتهى الإرادات (المسمى دقائق أولي النهى بشرح المنتهى)، ج٢، ص ٣٤٦، بدون رقم طبعة، دار الفكر، بيروت، لبنان.
(٢) قانون العمل: "هو مجموعة القواعد القانونية التي تحكم العلاقات الناشئة عن قيام شخص بعمل لحساب شخص آخر وتحت سلطته وإشرافه مقابل أجر" الزقرد، أحمد السعيد، شرح قانون العمل، ص١٣، ط٢، ١٩٩٣م، دار أم القرى، المنصورة، مصر. ومن المعاصرين من عرّفه بقوله:" مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم العلاقة بين ربّ العمل أو من يمثله من جهة، والعامل أو من يمثله من جهة أخرى" المصاروة، هيثم حامد، المنتقى في شرح قانون العمل، ص٢١، ط١، ٢٠٠٨م، دار الحامد، عمان، الأردن.
(٣) وزارة العدل ٢٠٠٢م، قانون العمل الفلسطيني رقم ٧ لسنة ٢٠٠٠م، النسخة الرسمية، ص٩.
[ ١٩ ]
٤. أن يكون تابعًا لصاحب العمل ويعمل تحت إشرافه؛ لأن العامل إذا لم يعمل تحت إشراف المشغِّل فيعني هذا أنه غير ملزم به. (١)
والفرق بين الاصطلاحين (اصطلاح فقهاء الإسلام وفقهاء القانون) أن فقهاء الإسلام نظروا إلى النتيجة من العمل، وهي الأجرة، وفقهاء القانون نظروا إلى الوسيلة والعمل، وأرى أن القضية قضية اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
_________________
(١) هاشم، هشام رفعت، شرح قانون العمل الأردني، ص ٦١، طبعة سنة ١٩٧٣م، مكتبة المحتسب، عمان، الأردن.
[ ٢٠ ]