للتحليف بهذه اليمين قصَّة أوردها المؤرخون في كتبهم كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما، مفادها:
- أن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، ظهر ببلاد الديلم في زمن هارون الرشيد، واشتدت شوكته، وقوي أمره، وارتحل إليه الناس من الأمصار، فاغتم لذلك الرشيد أيّما اغتمام وقلق من أمره، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألف رجل ومعه صناديد القواد وسار الفضل إلى تلك الناحية وكتب إلى يحيى بن عبدالله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه وأنه إن خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد، فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد ففرح الرشيد ووقع منه موقعًا عظيمًا، وكتب الأمان بيده وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بني هاشم ووجه به مع جوائز وهدايا فوجه الفضل بذلك إليه فقدم يحيى بن عبدالله، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأجزل له في العطاء وخدمه آل برمك خدمة عظيمة، ثم إنَّ الرشيد تنكر ليحيى بن عبدالله وتغير عليه ويقال إنه سجنه ثم استحضره وعنده جماعات من الهاشميين وأحضر الأمان الذي بعث به إليه، فسأل الرشيد محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف هذا الأمان أصحيح هو؟ قال نعم. فتغيظ عليه الرشيد ثَّم سأل أبا البختري فقال: هذا منتقض من وجه كذا وكذا وليس هذا بشيء فاحكم فيه بما شئت، ومزق الأمان وتفل فيه أبو البختري، فقال الرشيد أنت قاضي القضاة وأنت أعلم بذلك.
ولقد سعى بالنميمة بين الرشيد ويحيى بن عبدالله الساعون، وكلما رق الرشيد له أثاروا عليه في نفسه السخيمة عليه، فقد ذكروا أن يحيى قال للرشيد يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة
[ ٥١ ]
ورحمًا. . إنا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكرك الله قرابتنا من رسول الله - ﷺ - علام تحبسني وتعذبني، فرق له هارون، فقال له عبدالله بن مصعب الزُّبيري وكان حاكمًا للمدينة أيام الرشيد يا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هذا، فإنه عاص شاق وإنما هذا منه مكر وخبث وقد أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان فرد عليه يحيى وكان مما قال يا أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخي محمد بن عبدالله بن الحسن فقال لعن الله قاتله، وأنشدني فيه نحوًا من عشرين بيتًا.
وقال لي إن تحركت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا معك؟ فتغير وجه الزبيري وأنكر وشرع يحلف بالأيمان المغلظة إنه لكاذب في ذلك، وتحير الرشيد ثم قال ليحيى أتحفظ شيئًا من المرثية؟ قال: نعم، وأنشده منها جانبًا منها: -
قوموا بأمركم ننهض بطاعتنا ** إن الخلافة فيكم يا بني حسن
فازداد الزُبيري في الإنكار وقال والله يا أمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو. . حتى أتى على آخر اليمين الغموس ما كان مما قال شيء- فأقبل الرشيد على يحيى فقال قد حلف فهل من بيِّنة سمعوا هذه المرثية منه قال لا يا أمير المؤمنين، ولكن استحلفه بما أريد قال فاستحلفه فأقبل على الزبيري فقال: قل إن كنت كاذبًا فقد برئت من حول الله وقوته واعتصمت بحولي وقوتي وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارًا على الله، واستغناءً عنه واستعلاءً عليه إن كنت قلته.
فامتنع الزبيري من الحلف بذلك فعزم عليه الرشيد وتغيظ عليه، فحلف بذلك فما كان إلا أن خرج من عند الرشيد فرماه الله بالفالج فمات من ساعته.
ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبدالله وأطلق له مائة ألف دينار. ويقال إنما حبسه بعض يوم، وقيل ثلاثة أيام، وعاش بعد ذلك كله شهرًا واحدًا ثم مات رحمه الله تعالى (^١).
_________________
(١) تاريخ الطبري (٨/ ٢٤٢)، وما بعدها، البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ١٧٨ - ١٨٠)، عصر المأمون للدكتور/ أحمد فريد (١/ـ ١٢٢) وما بعدها
[ ٥٢ ]