والثاني: التعريف بمقتضى العلة
المقصد الأول التعريف بالعلة
العلة لغة:
قيل: هي اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله، مأخوذٌ من العلة التي هي المرض، لأن تأثيرها في الحكم كأثر العلة في ذات المريض.
وقيل: هي مأخوذة من العَلَل بعد النَّهل، والعلل هو الشرب الثاني، والنهل هو الشرب الأول، وفي ذلك معاودة لشرب الماء مرة بعد مرة - وذلك لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر بعد النظر ولأن الحكم يتكرر بوجودها.
وقيل: - ولعل هذا هو الصحيح - هي عمّا لأجله يُقدم على الفعل أو يمتنع عنه، يقال: فعل الفعل لعلة كيت أو لم يفعل لعلة كيت (^١).
_________________
(١) انظر: ابن منظور، لسان العرب، ط ٢، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت ١٤١٢ هـ، ج ٩، ص ٣٦٥. ومجموعة من الأساتذة في مجمع القاهرة، المعجم الوسيط، ط ٣، دار عمران، القاهرة، ج ٢، ص ٦٤٦. وسيشار له: المعجم الوسيط. والزركشي: محمد بن بهادر، البحر المحيط، ط ١، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، طبعة مصورة، ج ٥، ص ١١١. وسيشار له: الزركشي، البحر المحيط.
[ ١٣ ]
العلة اصطلاحًا:
تباينت أقوال الأصوليين في «تعريف» العلة:
فعرفها بعضهم بأنها «المعنى الموجب للحكم» (^١).
واعتُرض على هذا التعريف بأنّ جعْل العلل موجبة «يؤدي إلى الشركة في الألوهية فإن الموجب في الحقيقة هو اللَّه تعالى» (^٢).
فزاد بعضهم في التعريف قيدًا، وهو أن العلة هي «الموجب للحكم بجعل اللَّه تعالى» (^٣)، واعتُرض عليه بأن «الحكم ليس إلا خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وذلك هو كلامه القديم فكيف يُعقل كون الصفة المحدثة موجِبةً للشيء القديم، سواء أكانت الموجبيّة بالذات أو بالجعل» (^٤).
وللخروج عن هذا الاعتراض وغيره لجأ بعضهم إلى تعريف العلة بأنها «باعث الشرع على الحكم أو الداعي له» (^٥).
_________________
(١) انظر: فخر الدين الرازي، المحصول، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨ هـ، ج ٢، ص ٣٠٥، وسيشار له: الرازي، المحصول. والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١١٢، والبدخشي، محمد بن الحسن، مناهج العقول شرح منهاج الأصول، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ج ٣، ص ٥٠، وسيشار له: البدخشي، مناهج العقول.
(٢) قاله فخر الإسلام البزدوي في شرح التقويم. انظر: محمد مصطفى شلبي، تعليل الأحكام، دار النهضة العربية، بيروت، ١٤٠١ هـ، ص ١١٣ وسيشار له: شلبي، تعليل الأحكام.
(٣) الرازي، المحصول، ج ٢، ص ٣٠٨
(٤) المرجع السابق.
(٥) انظر: المرجع السابق، ج ٢، ص ٣٠٨، والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١١٣، وشلبي، تعليل الأحكام، ص ١١٧.
[ ١٤ ]
وهذا تعريف حسن مطابق للوضع اللغوي ولما يعقله الناس من معنى العلة في أفعالهم وأقوالهم إلا أنه على الرغم من ذلك لم يسلم من انتقاد بعض الأصوليين، لا سيما أولئك الذين تأثروا بمذهب الأشعري في نفي التعليل عن أفعاله ﷾، فقالوا: هذا التعريف يستلزم نسبة الغرض إليه ﷾ وهو محال عليه «لأنّ من فَعَل فعلًا لغرض فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذ كان حصول الغرض أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفًا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية لله تعالى متوقفة على الغير، فتكون ممكنة غير واجبة لذاته ضرورةَ توقفها على الغير، فيكون كماله تعالى غير واجب لذاته، وهو باطل» (^١).
وبناء على ذلك لجأوا إلى تعريف العلة بأنها «المعرّف للحكم أو الأمارة على الحكم» (^٢)، ولم يسلم هذا التعريف من اعتراض أيضًا فقال الآمدي: إذا كانت العلة «أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين:
الأول: أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه.
الثاني: أن علة الأصل مستنبطةٌ من حكم الأصل ومتفرّعةٌ عنه فلو كانت معرَّفة لحكم الأصل لكان متوقفًا عليها ومتفرّعًا عنها وهو دورٌ ممتنع» (^٣).
_________________
(١) السبكي، الإبهاج، ج ٣، ص ٤٠.
(٢) المرجع السابق، ج ٣، ص ٤٠، والرازي، المحصول، ج ٢، ص ٣١١، والزركشي البحر المحيط، ج ٥، ص ١١١، ١١٢.
(٣) سيف ا لدين علي بن أبي علي الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٣ هـ، ج ٣، ص ٢٨٩. وسيشار له: الآمدي، الإحكام.
[ ١٥ ]
وللخروج عن هذا الاعتراض زاد بعضهم في هذا التعريف قيدًا وهو أن العلة هي: «المعرف لحكم الفرع» (^١) لا لحكم الأصل، وبهذا يُخرج عما أورده الآمدي.
وعلى الرغم من وجود هذا القيد فإن هذا التعريف لم يسلم من جديد من الاعتراض عليه، ومن ثَمَّ جوابٌ ودفعٌ لهذا الاعتراض (^٢)، وهكذا حتى غَدا معنى العلة تيهًا مُضلًّا وبحرًا مهلكًا.
والحقّ أن معنى العلة ليس هو بهذه الدرجة من التعقيد حتى ينشب فيه الخلاف ويكثر فيه الكلام؛ إذ لا يُراد بالعلة - لغة وعرفًا - أكثر من أنها المعنى الذي لأجله شُرع الحكم، ولا غضاضة في إطلاق أي من التعريفات السابقة إذا اتُفق على أنها تتضمّن هذا المعنى، قال الأستاذ محمد شلبي في كتابه «تعليل الأحكام» بعد إيراده جملة من تعريفات العلة والمراحل التي مر بها بعضها: «هذه بعض خطوات ذلك التعريف وما صادفه في طريقه من عوامل المد والجزر والأخذ والرد في جامعيته ومانعيته وتمامه ونقصانه، وهو شيء يوقفنا على مبلغ عناية هؤلاء بالألفاظ وتقاتلهم من أجل العبارات؛ الأمر الذي لم يوله الأئمة السابقون شيئًا من عنايتهم، بل لم يلتفتوا إليه بالكلية وما كانوا يفهمون في العلة أكثر من أنها: الأمر الجامع بين الأصل والفرع الذي من أجله شرع الحكم منصوصًا عليه أو غير منصوص يقول الإمام الشافعي -﵁- في رسالته (^٣): فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي
_________________
(١) جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي، نهاية السول شرح منهاج الأصول، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ ج ٣، ص ٥٣، وسيشار له: الإسنوي، نهاية السول.
(٢) انظر: شلبي، تعليل الأحكام، ص ١٢٢، ١٢٣.
(٣) الإمام الشافعي: محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق وشرح أحمد شاكر، دار الفكر، بيروت، ص ٥١٢، وسيشار له: الشافعي، الرسالة.
[ ١٦ ]
تقيس عليها، وكيف تقيس؟ قيل له إن شاء اللَّه: كل حكم لله أو لرسوله وجدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام اللَّه أو رسوله بأنه حُكِمَ به لمعنى من المعاني فنزلت نازلة ليس فيها نصُّ حُكْمٍ حُكِمَ فيها حُكْمُ النازلة المحكوم فيها إذا كانت في معناها» (^١).
ومن هنا قال الشاطبي، وهو ميّال إلى إحياء المعاني السلفية: «وأما العلة فالمراد بها الحِكَمُ والمصالح التي تعلّقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي، فالمشقة علة في إباحة القصر، والفطر في السفر» (^٢).
والذي يمكن الخلوص إليه بعد إمعان النظر في تعريفات الأصوليين للعلة وفيما أداروا حول هذه التعريفات من نقاش هو أن خلافهم - أي الأصوليين - نشأ عن أمرين، كلاهما محدث:
أما الأمر الأول: فهو علم الكلام؛ إذ من كان مذهبه الكلامي قاضيًا بوجوب أو جواز تعليل أفعاله ﷾ لم يأنف عن تعريف العلة بالموجب أو المؤثر أو الداعي أو الباعث، ومن كان مذهبه قاضيًا بخلاف ذلك عرّف العلّة بالمعرف وفرّ من كل تعريف سواه.
وهاهنا يحسن التنبيه إلى حقيقة مهمة وهي أن المتكلمين جميعًا معلّلين وغير معلّلين معترفون بالقياس وبكل ما تقتضيه العلة من حيث البناء الفقهي، فخلافهم ليس منصبًا على العلة من حيث هي مصلحة يحصلها الحكم الشرعي، بل الكل متفقون على أن الأحكام الشرعية تحقق مصالح وتدفع مفاسد، وإنما خلافهم منصب - في رأي البعض - على قضية وجوب رعاية
_________________
(١) شلبي، تعليل الأحكام، ص ١٢٣، ١٢٤.
(٢) الشاطبي: إبراهيم بن موسى، الموافقات، تحقيق وشرح عبد اللَّه دراز، دار المعرفة، بيروت، ج ١، ص ٢٦٥، وسيشار له: الشاطبي، الموافقات.
[ ١٧ ]
المصالح عليه ﷾، أو كون ذلك منه ﷾ تفضلًا وإحسانًا (^١)، وعلى رأي آخر هو منصب على جواز التعبير بنسبة «الغرض» أو «البعث» إليه ﷾ أو عدم جواز ذلك لما يوحيه من النقص (^٢)، قال الألوسي المفسِّر، ﵀: «الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله ﷾ معللة بمصالح العباد، مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال - لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود - فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة، والوقوف على ذلك في كل محل لا يلزم، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظيًا لأن العلة إن فُسِّرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل، امتنع ذلك في حقه سبحانه، وإن فسِّرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهرًا مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها، ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند» (^٣).
وعليه - وكما هو في واقع الأمر - فالخلاف بين المتكلمين في تعليل أفعاله ﷾، ليس له ثمرة في الواقع الفقهي أو حتى الأصولي، وإنما هو - على فرض التسليم بأنه خلاف معنوي لا لفظي - خلاف في فرع من فروع الاعتقاد الكلامية المبتدعة؛ لذلك لا غضاضة في القول بلزوم محو هذه المسألة من علم أصول الفقه والاقتصار على بحثها في علم الكلام. قال الشاطبي، ﵀: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك - فوضعها في أصول الفقه عارية» (^٤).
_________________
(١) انظر: محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ط ٦، الدار المتحدة، دمشق، ومؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٢ هـ، ص ٨٩، ٩٠ وسيشار له: البوطي، ضوابط المصلحة.
(٢) انظر: شلبي، تعليل الأحكام، ص ١٢٨.
(٣) الألوسي: شهاب الدين محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨ هـ، ج ١، ص ١٨٧ وسيشار له: الألوسي، روح المعاني.
(٤) الشاطبي، الموافقات، ج ١، ص ٤٢.
[ ١٨ ]
وأمّا الأمر الآخر الذي جعل الأصوليين يختلفون في تعريف العلة ويتجادلون فيه هو: ما ألزموه أنفسهم من صناعة الحدود الجامعة المانعة، فكان هذا مثارًا للبحث والجدال لا في تعريف العلة فحسب بل في كثير من المفاهيم العلمية، فتجد الكم الهائل من الجدال في تعريف الحكم الشرعي وأنواعه المختلفة، وتعريف الأمر والنهي، والعام والخاص، وتعريف القياس، وغير ذلك من الأمور التي كثر فيها الأخذ والرد بما تستحق أحيانًا وبما لا تستحق في غالب الأحيان، حتى تضخم علم الأصول وتعقّد فعَسُر على المبتدئ وُلوجُه وعلى المنتهي حفظُه والإحاطة به.
وصناعة الحدود أو التعريفات والجدال فيها لا ينتمي إلى منهج السلف بنسب ولا ولاء، إنما هو شيء أحدثه المناطقة؛ قال الشاطبي، ﵀: «إن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبيٌّ يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور. فأما الأول: فهو المطلوب المنبَّه عليه كما إذا طلب معنى المَلَك فقيل: «إنه خلق من خلق اللَّه يتصرف في أمره»، أو معنى الإنسان فقيل: «إنه هو هذا الذي أنت من جنسه»، أو معنى الكوكب فقيل: «هذا الذي نشاهده بالليل»، ونحو ذلك، فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبي حتى يمكن الامتثال.
وعلى هذا وقع البيان في الشريعة كما قال -ﷺ-: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (^١) ففسره بلازمه الظاهر لكل أحد وكما نفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغةً من حيث كانت أظهر في الفهم منها، وهي عادة العرب والشريعة عربية، ولأن الأمة أمية فلا يليق بها من البيان إلا الأمي …
_________________
(١) مسلم بن الحجاج القشيري، الصحيح، ومعه شرح النووي، ط ١، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٤ هـ، حديث رقم (٢٦١) وسيشار له: مسلم، الصحيح.
[ ١٩ ]
وأما الثاني: وهو ما لا يليق بالجمهور، فعدم مناسبته أخرجه عن اعتبار الشرع له، لأن مسالكه صعبة المرام، وما جعل عليكم في الدين من حرج، كما إذا طلب معنى الملك فأُحيل به على معنى أغمض منه وهو: "ماهية مجرّدة عن المادة أصلًا" أو يقال: "جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلي" أو طلب معنى الإنسان فقيل هو "الحيوان الناطق المائت" وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلّف به» (^١).