«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة بعد العهد النبوي
بعد أن مضى النبي -ﷺ- إلى جوار ربه سلك الصحابة رضوان اللَّه عليهم في اجتهاداتهم ذات المسلك الذي سلكوه إبان حياته -ﷺ- ولكن بشيء من التوسع في التعليل والرأي والنظر في مآلات الأفعال.
وقد حظيت اجتهادات الصحابة هذه - سواءٌ الطريقة التي تمت بها أو النتيجة التي وصلت إليها -باعتناء كبير من قِبَل الفقهاء والأصوليين.
فأما الفقهاء فأكثرهم على أن قول الصحابي حجة فيما لا يخالف الكتاب والسنة (^١) ونسب ابن القيم هذا الرأي إلى الأئمة الأربعة وأطال في الاستدلال له في كتابه إعلام الموقعين (^٢).
وقال الشاطبي ﵀: «سنة الصحابة، ﵃، سنة يعمل عليها ويرجع إليها» (^٣) وقال: «إن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم وكِبَر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم» (^٤).
_________________
(١) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج ٤، ص ١١٨ - ١٥٦.
(٢) المرجع السابق.
(٣) الشاطبي، الموافقات، ج ٤، ص ٧٤ - ٧٧.
(٤) المرجع السابق.
[ ١٠٠ ]
وأما الأصوليون فإنهم إنما بنوا غالب أبحاثهم الأصولية بالاستناد إلى طرائق الصحابة في الاجتهاد والإفتاء حتى قال ابن رشد (^١) ﵀: «كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة [يعني أصول الفقه] إنما صُحّحت بالاستقراء من فتاواهم مسألة مسألة» (^٢) يعني الصحابة رضوان اللَّه عليهم.
وقال ابن خلدون «اعلم أن هذا الفن [يعني أصول الفقه] من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غُنية عنه بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يُحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يُحتاج إليها في استفادة الأحكام فمنهم [أي السلف وعلى رأسهم الصحابة] أُخذ معظمها» (^٣).
وتصديقًا لما قاله ابن خلدون ومن قبله ابن رشد أورد نقولًا عن بعض الأصوليين تبين اعتمادهم على اجتهادات الصحابة في تثبيت قواعدهم الأصولية.
قال الإمام الشافعي، ﵀، وهو بصدد إثبات المصالح المرسلة «من سبر أحوال الصحابة، ﵃، وهم القدوة والأسوة في النظر لم يرَ لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن» (^٤).
_________________
(١) وهو محمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد، الفيلسوف المعروف، من أهل قرطبة، يلقب بابن رشد الحفيد تمييزًا له عن جدّه، له كتب كثيرة في الفلسفة ومن كتبه في الفقه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» وفي الأصول «الضروري» و«مناهج الأدلة» توفي سنة ٥٩٥ هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج ٥، ص ٣١٨.
(٢) أبو الوليد بن رشد، الضروري في أصول الفقه، ط ١، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٩٤ م، ص ٣٦، وسيشار له: ابن رشد الضروري.
(٣) ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، ط ١، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ١٤١٤ هـ، ج ٢، ص ١٣٨.
(٤) نقله عنه إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٧٢٣.
[ ١٠١ ]
وقال أبو بكر الباقلاني وهو في صدد بحث الطرد والعكس (^١) هل يدلان
على العلة؟:
«معتمدنا في قاعدة القياس تأصيلًا وفيما يُردُّ ويقبل تفصيلًا ما يصح عندنا من أمر الصحابة، ﵃، فما تحققنا ردهم إياه رددناه وما تحققنا عملهم به قبلناه» (^٢).
وقال أبو الحسين البصري (^٣): وهو بصدد إثبات تخصيص العموم بالقياس: «والدليل على تخصيص العموم بالقياس هو أن الصحابة ﵂ اختلفت في الجد فبعضهم جعله أولى من الأخ والأخت بجميع المال وذهب في ذلك إلى قياس وخصَّ به قول اللَّه ﷿ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]» (^٤).
وقال الغزالي في السبيل التي يتم الكشف من خلالها عن عادة الشارع في إجراء الأحكام.
«نحن نستدل على وقوعها بما ينقل من أفعال الصحابة واتفاقاتهم حتى إذا رأينا جمعهم يتشاورون في الوقائع ويحكمون فيها برجم الظنون فيُعلم من فعلهم أنهم فهموا ذلك من رسول اللَّه -ﷺ- بقرائن أحواله وتنبيهات أفعاله وأقواله المتكررة وبأنه رخّص لهم في الاجتهاد ورجم الظن، فيكون فعلهم
_________________
(١) الطرد والعكس: وجود الحكم لوجود العلة وانتفاؤه لانتفائها وهو مسلك من مسالك إثبات العلة يسمى بالدوران: انظر: الرازي المحصول، ج ٢، ص ٣٤٧. والباجي، الحدود في الأصول، ص ٧٤، ٧٥.
(٢) المرجع السابق، ج ٢، ص ٥٤٨.
(٣) هو محمد بن علي بن الطيب البصري، شيخ المعتزلة، بصري، سكن بغداد وكان قوي العارضة في المجادلة والدفاع عن آراء المعتزلة له «المعتمد» و«تصفح الأدلة» و«غرر الأدلة» وغيرها توفي سنة ٤٣٦ هـ. انظر: مقدمة كتابه المعتمد، ص ذ.
(٤) أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، ط ١، دار الكتب العلمية بيروت، ١٤٠٣ هـ، ج ٢، ص ٢٧٥ - ٢٧٦ وسيشار له: أبو الحسين البصري، المعتمد.
[ ١٠٢ ]
صريحًا في الدلالة على التوقيف فيجري مجرى التوقيف المنقول إذ لا فرق بين أن يَنقُل إلينا الصحابة بألفاظهم توقيفه وبين أن يعرّفونا بأفعالهم» (^١).
فإذا تقرر ما سبق وبانت لنا المكانة التي تمتعت بها أقوال الصحابة واجتهاداتهم عند كل من الفقهاء والأصوليين فإنه يمكن القول بأن ما سيتم إيراده فيما يلي من أمثلة على اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم تضمنت تأثيرًا لتعليل النص على دلالته يُعدُّ أساسًا آخر، غير الذي سبق، للقول بتأثير تعليل النص على دلالته.