قضى اللَّه ﷿ في كتابه بإعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وعلى إعطائهم جرت سنة المصطفى -ﷺ- (^٢).
ومن ثم اشتهر عن عمر -﵁- قطعُ هذا العطاء عنهم (^٣). ووجه ذلك - كما يراه المحققون - أنه رأى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم زمن النبي -ﷺ- كان قائمًا على علة، وهي دفع أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم ونحو ذلك، فلما أغنى اللَّه عنهم حين قويت شوكة الإسلام واشتدّ ساعد المسلمين انتفت العلة الباعثة على إعطائهم فمنع هذا العطاء (^٤).
_________________
(١) الغزالي، أساس القياس، ص ٥٨، ٥٩.
(٢) انظر: أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن. دار إحياء التراث العربي، ج ٤، ص ٣٢٥. وابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار المعارف، مصر، ج ١٤، ص ٣١٥، وجلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ط ١، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٣ هـ، ج ٤، ص ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) انظر: عبد العلي: فواتح الرحموت ج ٢، ص ٨٤، وابن الهمام، شرح فتح القدير ج ٢، ص ٢٦٠، وشلبي، تعليل الأحكام، ص ٣٨.
[ ١٠٣ ]
قال أستاذنا الدريني، حفظه اللَّه، بهذا الصدد:
«إنّ الاجتهاد بالرأي في الاستدلال من الكتاب والسنة إنما يعني الدقة في فهم النص وفي طريقة تطبيق حكمه، أو في مسالك ذلك التطبيق على ضوء من الملائمة بين ظروف الواقعة المعروضة والتي يتناولها النص، والمقصد الذي يستشرفه النص نفسُه من تطبيقه، وليس أبين على ذلك مثالًا من اجتهاد عمر -﵁- برأيه في «المؤلفة قلوبهم» فإنه بدقة ملحظه في فهم النص وأنه «معلل» أي معقول المعنى وللرأي في فهمه مجال، وأن العلة - وهي التأليف - مَظِنة للمصلحة العامة للدولة التي تقتضي هذا التأليف، أدرك أنها علة زمنية على خطر الوجود والعدم، والحكم يدور معها، فلم ينظر عمر - بثاقب فكره - إلى مجرد الحكم بل إلى غايته أيضًا، ولم يطبقه آليًا دون نظر واجتهاد، بل وازن - في ظل ظروف الدولة القائمة آنذاك - بين علة الحكم وما تنطوي عليه من مصلحة عامة نظريًا وبين ما يفضي إليه تطبيق النص في هذه الظروف عمليًا، فرأى أن المصلحة العامة لا تقتضي التأليف في ذلك الظرف فأوقف تطبيق الحكم لتخلف مقصده إذ لا عبرة بالوسائل إذا لم تحقق المقاصد» (^١).
فإن قيل: مسلّمٌ أن عمر -﵁- رأى أن العلة في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم تعد متحققة، ومن ثَم وبالبناء على ذلك منعهم، ولكن أين هذا مما جُلب المثال من أجله وهو صرف النصّ عن ظاهره بالتعليل؟ وأين هو ظاهر النص الذي أثرت عليه العلّة؟
_________________
(١) د. فتحي الدريني: المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي، ط ٢، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، ١٤٠٥ هـ، ص ٢١٠ بحذف يسير.
[ ١٠٤ ]
وهل اجتهاد عمر -﵁- هذا إلاّ من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته كما قاله غير واحد من الأصوليين (^١)؟
فالجواب: نعم هو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته، وهذا لا ينفي القول بأنه من قبيل صرف النص عن ظاهره بالتعليل أو - بعبارة أدق - من قبيل تخصيص عموم النص بالعلة المستفادة منه، إذ الأمران سِيان وإنما الخلاف في وُجهة التعبير.
وظاهر النص الذي أثّرت عليه العلة هو العموم المعنوي القاضي بأن النصوص الشرعية - ومنها آية مصارف الصدقات - عامة في الأزمان والأحوال والأماكن واجبة التطبيق في كل عصر وحال ومكان إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه. قال الزركشي ﵀: «مما عُرف بالضرورة من دينه ﵇: أن كل حكم تعلّق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة» (^٢).
فعمر -﵁- بعد وقوفه على علّة النص خصص بها هذا العموم فرأى أن تطبيق الآية خاص بحال ضعف الأمة دون حال قوتها مع أن النص - بظاهره - خالٍ عن مثل هذا القيد، مقتض لتطبيق الحكم في كافة الظروف.
ويمكن، لمزيد من التوضيح، القول بأن اجتهاد عمر -﵁- في هذه الواقعة يتحلَّل إلى خطوتين:
الأولى: استنباط علة حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقة.
الثانية: المواءمة بين مقتضى هذه العلة وبين مقتضى عموم النص في التطبيق مما أفضى به إلى تخصيصه وتقييده بحال دون أخرى وزمن دون آخر.
_________________
(١) انظر: عبد العلي الأنصاري، فواتح الرحموت، ج ٢، ص ٨٤، وابن الهمام، شرح فتح القدير، ج ٢، ص ٢٦٠.
(٢) الزركشي البحر المحيط، ج ٣، ص ١٨٤، وانظر: صلاح الدين العلائي الكيكلدي، تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، ط ١، تحقيق ونشر د. عبد اللَّه آل الشيخ، ١٤٠٣ هـ، ص ٣٣٩.
[ ١٠٥ ]
وبناء على ذلك يمكن القول بأن د. البوطي نأى عن الصواب في تكييفه اجتهاد عمر -﵁- في هذه الواقعة بأنه من قبيل: «تحقيق المناط» إذ قال: «ولقد كان اجتهاد عمر في هذا متعلّقًا بتحقيق المناط، فلقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة، سواء من الناحية المعنوية المتعلقة بسطوع حجته وبرهانه، أو من الناحية المادية المتعلقة بكثرة أهله وانتشاره.
أفلا يزال مناط حق الوافدين جديدًا إلى الإسلام في الزكاة متحققًا بعد؟ وهو كما قلنا حاجة التودد إليهم كي لا يندّوا عن الإسلام بعد أن دخلوا فيه. ومعلوم أن الاجتهاد المتعلق بتحقيق مناط الحكم لا علاقة له بأمر النص وإنما هو استجلاء لحقائق الأشياء وإدراكها على ما هي عليه لتعلق حكم شرعي بها، كاستجلاء حقيقة البلوغ في الصبي وتعيين المثلي لضمان المتلَف ولذلك قال الشاطبي: «إن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يفتقر إلى العلم بمقاصد التشريع كما أنه لا يفتقر إلى علم العربية لأن المقصود من هذا الاجتهاد العلم بالموضوع على ما هو عليه» (^١)» (^٢).
والحق أن اجتهاد عمر -﵁- كما سبق بيانه - ليس هو من قبيل «تحقيق المناط» الذي هو عمل تنفيذيٌ آلي محض، فحسب، بل هو من قبيل تخريج المناط باستنباط العلة أولًا.
ومن ثم النظر في تحقيق هذا المناط المستنبط في واقع الحال ثانيًا.
وإلا كيف يمكن السماح لمن ليس عنده علم بمقاصد الشارع ولا باللغة بأن يقدم على مثل اجتهاد عمر هذا؟!.
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٤، ص ٨٩ وما بعدها.
(٢) البوطي، ضوابط المصلحة، ص ١٣٠.
[ ١٠٦ ]