جاء القرآن مرخِّصا بقصر الصلاة وبالفطر في الصيام للمسافر، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١].
وسئل النبي -ﷺ- عن قصر الصلاة في السفر فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم" (^٢).
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولم يأتِ - كما هو مُلاحظ - عن الشارع الحكيم تحديد للمسافة التي يجوز لقاصدها أن يقصر أو يفطر، وإنما جاءت الأدلة في ذلك مطلقة.
لكنَّ ابن عباس -﵁- وغيره من السلف لم يعملوا بهذا الإطلاق فلم يجيزوا القصر والفطر في مطلق السفر كما هو ظاهر النص، وإنما حددوا ذلك بمسافات معينة.
_________________
(١) محمد فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٩٩٤ م، ج ١، ص ٤٧٩ بتصرف.
(٢) مسلم، الصحيح، حديث رقم (١٥٧١).
[ ١١٨ ]
قال البخاري ﵀: كان ابن عمر وابن عباس -﵃- يقصران ويفطران في أربعة بُرُد وهي ستة عشر فرسخًا (^١).
وعن عطاء قال: سألت ابن عباس ﵄: أقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى جدّة وإلى عسفان وإلى الطائف، فإن قدمت على أهل لك أو ماشية فأتمّ الصلاة (^٢).
وعلى هذا النهج جرى جمهور الفقهاء من بعد فلم يروا جواز القصر أو الفطر في مطلق السفر وإنما حدّدوا ذلك بمسافات معينة (^٣).
والباحث عن مستند أصولي لهذا التحديد الوارد عن السلف يجده ظاهرًا في البناء على علة النصوص الواردة بمشروعية القصر والفطر، إذا أن رفع المشقة - وهي علة مشروعية القصر والفطر - لا تتحقق في مطلق السفر، وإنما في أسفار خاصّة يختلف تقديرها بحسب الزمان والمكان، فبتقييد مطلق النص بهذه العلة تم هذا التحديد، والخلاف الوارد عن السلف في هذا التحديد إنما نشأ - في رأيي - عن الاختلاف في «تحقيق مناط» المشقة. إذ قد يرى البعض أن مسافة ما تحتمل المشقة ويرى البعض الآخر بأنها لا تحتمل وهكذا … واللَّه أعلم.