عن أبي هريرة -﵁- قال: "قال النبي -ﷺ-: لا تواصلوا" وفي رواية "نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الوصال في الصوم قالوا: إنك تواصل: قال: إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فلم ينتهوا عن الوصال" قال: "فواصل بهم النبي -ﷺ- يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال، فقال النبي -ﷺ-: لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكي لهم" (^٢).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة هو أن مقتضى قول النبي -ﷺ- لأصحابه: "لا تواصلوا" هو أن يمتنعوا عن الوصال وجوبًا أو ندبًا تمشيًا مع ظاهر النهي وهذا ما لم يحدث، إذ إن الصحابة لم يلتفتوا إلى ظاهر هذا النهي حتى نظروا في علته فلما وجدوه خرج مخرج الرفق بهم والرحمة لهم، كما صرحت بذلك السيدة عائشة ﵂ في روايتها للحديث
_________________
(١) الوصال في الصوم: هو أن يصام اليوم واليومان والثلاثة فأكثر من غير فطر في ليل أو نهار. انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ١٠٧٩.
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٧٢٩٩).
[ ٨٩ ]
إذ قالت: "نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الوصال رحمةً لهم" (^١)، عارضوا يهذه العلة ظاهر النهي فحملوا النهي على وجه الترخيص وأخذوا هم بالعزيمة "فلم ينتهوا عن الوصال" كما قال أبو هريرة -﵁-.
وهذا التخريج لفعل الصحابة متعين إذ لا يُظن بهم رضوان اللَّه عليهم عصيان أمر النبي -ﷺ- مع ما كانوا عليه من كمال الطاعة وسرعة الامتثال، ولو اقتضى ذلك زهوق أرواحهم ونفاد أموالهم.
قال الشاطبي ﵀: «واصل ﵊ وواصل السلف مع علمهم بالنهي، تحقُّقا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة، لا أن مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله» (^٢).
وقال أيضًا «قد واصل ﵊ بأصحابه حين نهاهم فلم ينتهوا، وفي هذا أمران إذا أخذنا بظاهر النهي:
أحدهما: أنه نهاهم فلم ينتهوا، فلو كان المقصود من النهي ظاهره لكانوا عاندوا نهيه بالمخالفة مشافهة وقابلوه بالعصيان صراحًا، وفي هذا القول ما فيه.
والآخر: أنه واصل بهم حين لم يمتثلوا نهيه، ولو كان النهي على ظاهره لكان تناقضًا وحاشى لله من ذلك، وإنما كان ذلك النهي للرفق بهم خاصة وإبقاء عليهم فلما لم يسامحوا أنفسهم بالراحة وطلبوا فضيلة احتمال التعب في مرضاة اللَّه أراد ﵊ أن يريهم بالفعل ما نهاهم لأجله وهو دخول المشقة حتى يعلموا أن نهيه ﵊ هو الرفق بهم والأخلق بالضعفاء الذين لا يصبرون على احتمال اللأواء في مرضاة ربهم» (^٣).
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٩٦٤).
(٢) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥٠.
(٣) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥١.
[ ٩٠ ]
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن علماء السلف قد اختلفوا في حكم الوصال على قولين:
الأول: مشروعية الوصال واستحبابه لمن لم يشق عليه وحرمته على من شق عليه وعليه جماعة من الصحابة والتابعين إذ كان عبد اللَّه بن الزبير -﵁- يواصل خمسة عشر يومًا (^١).
قال الحافظ ابن حجر «ومن حجتهم أنه -ﷺ- واصل بأصحابه بعد النهي فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله فعُلم أنه أراد بالنهي الرحمة بهم والتخفيف عنهم كما صرحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم ولم ينكر على من بلغه أنه فعله ممن لم يشق عليه، وسيأتي نظير ذلك في صيام الدهر. فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقه أهل الكتاب ولا رغب عن السنة لم يُمنع من الوصال» (^٢).
والقول الثاني: عدم مشروعية الوصال والمنع منه إما كراهة وإما تحريمًا وحجة أصحاب هذا القول صريح النهي عن الوصال، فهؤلاء مشوا مع ظاهر النهي فقالوا بحرمة الوصال أو كراهته لكل أحد شق عليه ذلك أم لم يشق، وأصحاب القول الأول جمعوا بين النهي وعلته فحملوا النهي على من يشق عليه الوصال، أما من لم يشق عليه ذلك فأخرجوه عن عموم النهي بالعلة، فتحصل أن اجتهادهم إنما هو تخصيص لعموم النص بالعلة المستنبطة منه، وقد أقر النبي -ﷺ- هذا الاجتهاد حين واصل بأصحابه أيّامًا بعد النهي ودلَّ هذا على صحة الوصال لأنه لو كان معصية لما واصل بهم النبي -ﷺ-، أما قول أبي هريرة -﵁- «كالمنكي لهم» فهو يعني أنه أراد أن يريهم وجه نهيه عن الوصال وهو خشية دخول المشقة عليهم حتى يتبين لهم بالتجربة العملية أن من لا يقوى
_________________
(١) انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج ٢، ص ٢٤١.
(٢) المرجع السابق.
[ ٩١ ]
على مثل هذا الوصال فأحرى به أن يأخذ بالرخصة فإن ذلك أفضل له كما سبق أن قرره الشاطبي ﵀.