عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: "طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعلْ لي رسول -ﷺ- سكنى ولا نفقة" (^١)، وفي رواية: "قلت: يا رسول اللَّه زوجي طلقني ثلاثًا وأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت" (^٢).
الآخذ بظاهر هذا الحديث يحكم - بلا بدّ - بأن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة بعد الطلاق، وليس بضائر هذا الأخذ أن حديث فاطمة واقعة عين لأنهم أجمعوا على أن قضاء النبي -ﷺ- على شخصٍ أو عين يأخذ حكم العموم شرعًا من حيث شموله كافة المكلفين في كافة الأزمان. قال القاضي أبو يعلى الحنبلي ﵀: «إذا حكم -ﷺ- في حادثة بين نفسين كان واجبًا على كل أحد أن يُحكم عليه بمثل تلك الحادثة وهذا لا أعلم فيه خلافًا» (^٣).
إذن، فالظاهر العموم إلا أن يرد دليل على التخصيص، وهو في هذه الواقعة لم يرد صراحة، إلا أن السيدة عائشة ﵂ خصصت هذا العموم بالتعليل، إذ قد روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: "ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت. فقالت: بئسما صَنَعتْ. فقال: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما إنه لا خير لها في ذلك" وزاد بعضهم: "عابت عائشة ذلك أشدّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخِيفَ على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول اللَّه -ﷺ-" (^٤).
_________________
(١) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٧٠٠).
(٢) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٧٠٢).
(٣) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ١٩٠.
(٤) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٥٣٢٦).
[ ١٠٨ ]
إذن، فإرخاص النبي -ﷺ- لفاطمة بالخروج من بيت مطلِّقها كان لعلّة وقفت عليها السيدة عائشة فلم تحكم بعموم قضائه -ﷺ- على فاطمة بأن لا سكنى لها ولا نفقة كما هو الظاهر بل رأت أن هذا القضاء خاص بفاطمة أو بمن هي في حالتها وليس هو عامًا في جميع المطلقات ثلاثًا.
وإلى هذا الرأي الذي ذهبت إليه عائشة ذهب الجمهور من الفقهاء (^١)، وهو ظاهر صنيع البخاري إذ قال: «باب المطلقة إذا خُشي عليها في مسكن زوجها أن يُقتحم عليها أو تبذوَ على أهلها بفاحشة» (^٢). أي فلا سكنى لها.