عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يحدِّث أن معمرًا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من احتكر فهو خاطئ" فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: "إنّ معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر" (^١).
في هذا الحديث ذم الاحتكار عمومًا فكيف خالف معمر بن عبد اللَّه وسعيد ﵄ ما رويا؟
قال النووي ﵀: «وأما ما ذكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر: إنما كانا يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح» (^٢).
إذن، فحاصل اجتهاد معمر وسعيد أنه تخصيص لعموم النص بالتعليل وذلك أنهما رأيا أن العلة في النهي عن الاحتكار ليست هي مجرد صورته وإنما ما يترتب عليه من الضرر كغلاء السعر واحتياج الناس، فحيث تحققت العلة ثبت النهي وحيث لم تتحقق انتفى وإن كان في ذلك مخالفة لظاهر النص القاضي باستغراق النهي جميع صور الاحتكار في جميع الأحوال.
ويذكر عن سعيد بن المسيب، ﵀، أنه سئل عن وجه احتكاره فقال: «ليس هذا الذي قال رسول اللَّه -ﷺ-، إنما قال رسول اللَّه -ﷺ-: أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها فأما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه ثم يضعه فإن احتاج إليه الناس أخرجه فذلك خير» (^٣).
_________________
(١) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٤٠٢٩).
(٢) النووي، شرح صحيح مسلم، ج ١١، ص ٤٥.
(٣) أبو إسحاق الشيرازي، المهذب، ومعه المجموع للنووي، ط ٢، مكتبة الإرشاد، جدة، ج ١٢، ص ١٢٢. وقد أسنده البيهقي في سننه الصغير، ج ٢، ص ٢٨٢.
[ ١١٧ ]
قال أستاذنا الدريني معلقًا على كلام ابن المسيب، ﵀: «فهذا - كما ترى - ادخار للتوسعة وهو رفق وإحسان لا استغلال فيه ولا إضرار، فلم يتحقق فيه مناط الاحتكار المحرم المنظور إليه من حيث أثره ومآله. وهو وإن اتفق مع الاحتكار صورة لكنه على النقيض منه أثرًا ومآلًا والعبرة بالمآل، لأن التصرفات محكومة شرعًا بنتائجها» (^١).