ذهب الإمام الشافعي، رحمه اللَّه تعالى، إلى كون لمس النساء ناقض للوضوء استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا …﴾ [النساء: ٤٣].
والعلة في كون لمسهن ناقض للوضوء - كما رآها الشافعي - هي كون النساء «مظنة للشهوة».
ومقتضى هذه العلة أن لا يجب الوضوء من لمس النساء اللاتي لسن مظنة للشهوة كالمحارم وكالصغار اللاتي لا يشتهين عادة وهذا بالفعل ما ذهب إليه الإمام الشافعي، ﵀، في الراجح من قوليه، وهو بهذا يكون قد خصص عموم لفظ «النساء» الوارد في الآية بما استنبطه منها من علة (^١).
_________________
(١) انظر: الشربيني، محمد الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر، بيروت، ج ١، ص ٣٤، وسيشار له: الشربيني، مغني المحتاج.
[ ٦٤ ]
وخالف الإمامان مالك وأحمد رحمهما اللَّه الإمامَ الشافعي في هذا الاجتهاد وذلك بأن رأيا - لأدلة وقفا عليها - أن العلة في كون لمس النساء ناقض للوضوء هي «ذات الشهوة» لا «مظنتها»، وبالبناء على هذا التعليل قيّدا مطلق «اللمس» الوارد في الآية بالشهوة فلم يوجبا الوضوء إلا من لمس بشهوة (^١).
فالشافعي، ﵀، صرف العام عن عمومه بالتعليل فصار خاصًا، ومالك وأحمد رحمهما اللَّه صرفا المطلق عن إطلاقه بالتعليل فصار مقيدًا، والخاص والمقيد معنيان مؤولان لا يصار إليهما إلا بقرينة مقوية وهو ما حدث هاهنا بقرينة التعليل.
فهذا هو مثال تقوية التعليل لمؤول النص حتى يغلب على الظن فهمه منه.