عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (^٤).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (^٥).
وقد أخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من أهل العلم فأوجبوا الغسل يوم الجمعة (^٦).
إلا أن ابن عباس ﵄ - بما فقَّهههُ اللَّه في الدين وعلّمه التأويل - له رأي آخر بناه على التعليل، فقد رُوي عنه أنه "سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟
_________________
(١) إذا برأ الدبر أي إذا شفي ظهر الإبل من الدَّبر وهو ما كان يؤثِّر فيها من الحمل عليها ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج وعفا الأثر: أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ٣، ص ٤٩٨.
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٥٦٤) ومسلم، الصحيح حديث رقم (٢٩٩٩).
(٣) ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج ٢، ص ٤٦٤.
(٤) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٨٧٩).
(٥) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٨٧٧).
(٦) انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج ٢، ص ٤٢٠.
[ ١١٢ ]
فقال: لا ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي -ﷺ-: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا".
قال ابن عباس: "ثم جاء اللَّه بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفوا العمل، ووُسّع المسجد" (^١).
فالملاحظ في اجتهاد ابن عباس هذا أنه نظر إلى علة الأمر بالغسل، فوجدها ما يترتب على تركه من أذى الناس بعضهم بعضًا، لما كان من ضيق المسجد ولبس الصوف والعمل قبل الصلاة، ومن ثَم انتفت هذه العلة؛ لما جاء اللَّه به من الخير ولم يعد الأذى متحققًا ولو ترك الغسل، لأن الناس لا يلبسون الصوف ولا يعملون قبل الصلاة والمسجد متسع، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فأفتى -﵁- بناءً على ذلك بعدم وجوب الغسل.
وإذن فحاصل اجتهاد ابن عباس ﵄: أنه تخصيص لعموم الأمر القاضي باستغراق الحكم كافة الأحوال بالتعليل، فمن احتمل أن يؤذي غيره برائحته أو غير ذلك وجب عليه الغسل ومن لا فلا. واللَّه أعلم.