عن سهل بن سعد الساعدي -﵁-: "أن رسول اللَّه -ﷺ- ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأُقيم قال: نعم فصلى أبو بكر فجاء رسول اللَّه -ﷺ- والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول اللَّه -ﷺ- فأشار إليه رسول اللَّه -ﷺ- أن امكث مكانك - وفي رواية "فأشار إليه يأمره أن يصلي" - فرفع أبو بكر -﵁- يديه فحمد اللَّه على ما أمره به رسول اللَّه -ﷺ- من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول اللَّه -ﷺ- فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ما لي
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج ٥، ص ٤٠٩.
[ ٩٣ ]
رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيءٌ في صلاته فليسبِّح، فإنه إذا سَبَّح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء" (^١).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذا الحديث أن النبي -ﷺ- أمر أبا بكر بالثبوت في مكانه، فكان مقتضى ظاهر الأمر أن يبقى أبو بكر في مكانه من غير استئخار، لكن هذا ما لم يكن، وذلك أن أبا بكر -﵁- نظر إلى علة أمر النبي -ﷺ- له بالثبوت فوجد أن الأمر لم يخرج مخرج الإلزام كما هو الظاهر من الأمر في المعتاد، وإنما خرج مخرج الإكرام فلما كان كذلك رأى -﵁- أن سلوك الأدب في مثل هذه الحال أولى من امتثال الأمر فاستأخر مع أمر النبي -ﷺ- له بالثبوت.
والتكييف الأصولي لاجتهاد أبي بكر -﵁- في هذه الواقعة يشتمل على نظرين ترتب أحدهما على الآخر:
الأول: النظر في علة الأمر، وهذا أدى بأبي بكر -﵁- إلى صرفه من الوجوب أو الندب إلى الإباحة.
والثاني: النظر في هذا المباح هل هناك ما هو أولى منه؟ فكم من مباح لا يفعله المرء لانشغاله بما هو أولى منه، وهاهنا كان سلوك الأدب بالاستئخار أولى من فعل المباح الذي هو الثبوت في المكان، وعلى أية حال، فإقرار النبي -ﷺ- أبا بكر على هذا الاجتهاد دليل على صحة تأثير تعليل النص على دلالته وجواز ذلك.
المثال السادس: حديث علي في رفضه محو الصحيفة:
عن البراء بن عازب -﵁- قال: "لما صالح رسول اللَّه -ﷺ- أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب رضوان اللَّه عليه بينهم كتابًا، فكتب: «محمد رسول
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٦٨٤).
[ ٩٤ ]
اللَّه» فقال المشركون: لا تكتب «محمد رسول اللَّه» لو كنت رسولًا لم نقاتلك فقال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول اللَّه -ﷺ- بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام. ولا يدخلوها إلا بجُلُبَّان السلاح فسألوه: ما جلبّان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه" (^١).
ووجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة أن عليًا -﵁- بما احتف بأمر النبي -ﷺ- له بمحو الاسم من قرائن لم يره خرج مخرج الإلزام، وإنما خرج مخرج المداراة والمسايسة وإظهار التساهل، لأن القائد قد يُظهر التساهل في الصلح لرغبة منه في تتميمه وهذا قد يؤدي به إلى التنازل عن بعض الحقوق، والذي ينبغي على الأفراد حينئذ إظهار الصلابة والشدة وعدم التساهل حتى لا يطمع طرف الصلح الآخر بأكثر مما نال، وهذا ما فعله عليّ -﵁- في امتناعه عن محو اسم النبي -ﷺ- مع أمره له بذلك، وقد أقره النبي -ﷺ- على ذلك ولم يعنفه ولو كان إحجامه عن امتثال الأمر عصيانًا - حاشاه ذلك - لبيَّنه له النبي -ﷺ- وأنكره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال السرخسي في أصوله مبينًا وجه امتناع علي -﵁- عن امتثال أمر النبي -ﷺ-: «إنّه أبى أن يمحو ذلك تعظيمًا لرسول اللَّه -ﷺ- وهو العزيمة، وقد علم أن رسول اللَّه ما قصد بما أمر إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ للمسلمين بفراغ قلوبهم، ولو علم علي أن ذلك كان أمرًا بطريق الإلزام لمحاه من ساعته، ألا ترى أنه قال لرسول اللَّه -ﷺ-: "إنك ستبعثني في أمر أفأكون فيه كالسِّكَّة
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٢٦٩٨).
[ ٩٥ ]
المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: "بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (^١). فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الأمر منه لم يكن إلزامًا ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمةً فتمسك به، ثم الرغبة في ا لصلح مندوبٌ إليه الإمام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين، وتمام هذه المنفعة في أن يُظهر المسلمون القوة والشدة في ذلك ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم فلأجل هذا فعل علي -﵁- عنه ما فعله» (^٢).
والتكييف الدقيق لاجتهاد علي -﵁- في هذه الواقعة يشتمل على نظرين، ترتب أحدهما على الآخر، كما هي الحال في اجتهاد أبي بكر -﵁- في الحديث السابق وهما:
الأول: النظر إلى علة الأمر، وبهذا النظر تبين لعليّ -﵁- أن الأمر لم يُرد به ظاهره من الإلزام.
الثاني: النظر فيما هو الأولى، هل هو الإتيان بمقتضى الأمر مع عدم لزومه أم شيء آخر؟
وهاهنا رأى -﵁- أن الأفضل هو عدم التزام الأمر لوجهين:
أحدهما: لما في ذلك من سلوك الأدب مع رسول اللَّه -ﷺ- وتعظيمه.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند من حديث علي -﵁-، والقضاعي في مسند الشهاب عن أنس -﵁- وقال العامريُّ في شرح الشهاب: صحيح، ولذا رمز السيوطي لصحته. ومعناه: أألتزم أمرك بأحرفه لا أحيد عنه أم أجتهد فيه لأنه عند التنفيذ يظهر لي ما لا يظهر لك لحضوري وغيبتك؟ انظر: محمد عبدالرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، دار الفكر، بيروت، ج ٤، ص ١٧١. وأحمد بن حنبل، المسند، ج ١، ص ٨٣، ومحمد بن سلامة القضاعي، مسند الشهاب، ط ١، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٥ هـ، ج ١، ص ٨٥.
(٢) السرخسي أصول السرخسي، ج ٢، ص ١٣٧.
[ ٩٦ ]
والثاني: لما في ذلك من إظهار الصلابة والشدة في الدين أمام أعين المشركين.
واللَّه أعلم.