عن الزهري عن سالم: "أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح"، وقال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك. وقالت: "إنما نزله رسول اللَّه -ﷺ- لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه (^٣) ") (^٤).
وعن ابن عباس -﵁- قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه -ﷺ-" (^٥).
هذا المثال كالذي قبله، والذي فيه أن عائشة وابن عباس ﵄ لم يريا فعله -ﷺ- إذ نزل بالمحصب حين صدر عن الحج فعلًا تعبديًا أو سنة
_________________
(١) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٠٦٣).
(٢) الأبطح: أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع وهي التي يقال لها: المحصّب والمعرس. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج ٣، ص ٦٩١.
(٣) أسمح لخروجه: أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. انظر: ابن حجر، فتح الباري ج ٣، ص ٦٩١.
(٤) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣١٥٨).
(٥) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٧٦٦).
[ ١٢٣ ]
تقتفى كما هي رؤية غيرهم من الصحابة. والذي أوقفهم على هذا الاجتهاد ملاحظة علة الفعل وأنه كان لغاية خاصة ليست تعبدية.
وعليه فحاصل اجتهادهم في هذه الواقعة صرفٌ للفعل النبوي عن ظاهره من الندب إلى غيره من الإباحة بالتعليل.
ومثل هذا الاجتهاد اجتهاد عطاء بن أبي رباح (^١)، ﵀، في فعل النبي -ﷺ- إذ وصل مكة ليلًا فبات بذات طوى حتى أصبح ثم دخلها نهارًا (^٢).
فقال عطاء دفعًا لما أفتى به بعضهم من أن دخول مكة نهارًا سنة: "إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول اللَّه -ﷺ- إنه كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس" (^٣).
_________________
(١) هو عطاء بن أسلم القرشي الفهدي، ولد في خلافة عثمان فأدرك مائتين من الصحابة فأخذ العلم عنهم حتى انتهت إليه فتوى أهل مكة قال ابن سعيد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي بعد ذلك، وكان ثقة عالمًا فقيهًا كثير الحديث توفي سنة ١١٤ هـ، انظر: المزي، تهذيب الكمال، ج ٢، ص ٦٩.
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٧٦٩).
(٣) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج ٣، ص ٥١٠.
[ ١٢٤ ]