عن البراء بن عازب -﵁- قال: "خرج رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه. قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة، قال: فقال الناس: يا رسول اللَّه قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه اللَّه؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتبع" (^٣).
هذا الحديث هو واحدٌ من أحد عشر حديثًا صحيحًا رويت في أمر النبي -ﷺ- أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة (^٤) وذلك في حجة الوداع.
_________________
(١) انظر: أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، بيروت، ج ٢، ص ٧١، وسيشار له: ابن رشد، بداية المجتهد.
(٢) البخاري، الصحيح، مع شرحه فتح الباري، ج ٩، ص ٣٩١.
(٣) أحمد بن حنبل، المسند، ج ٤، ص ٢٨٦، ابن ماجة القزويني، السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، ج ٢، ص ٩٩٣.
(٤) انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج ٢، ص ٤٦٣.
[ ١٠٩ ]
والذي يقتضيه ظاهر هذا الأمر هو وجوب فسخ الحج على من أهلّ به مفردًا في كل عصر وأوان، وهذا ما ذهب إليه جمعٌ من أهل العلم (^١)، ودافع عنه ابن القيم، ﵀، حتى قال: «ونحن نشهد اللَّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول اللَّه -ﷺ- واتباعًا لأمره» (^٢).
لكنَّ الجمهور من السلف والخلف على عدم الوجوب بل على عدم جواز الفسخ، وجوابهم عن الأحاديث المروية في الفسخ أنها خاصة بالصحابة رضوان اللَّه عليهم (^٣).
قال أبو ذر -﵁- فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه -ﷺ-" (^٤).
وقال عمر -﵁-: "إن اللَّه يحلُّ لرسوله ما شاء فأتمّوا الحج والعمرة كما أمركم اللَّه" (^٥).
ومن ثم تتابع الخلفاء والصحابة ومن بعدهم على عدم نقض الحج إلى عمرة فعن عروة عن عائشة قالت: " … حج أبو بكر -﵁- فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر -﵁- مثل ذلك، ثم عثمان -﵁- مثل ذلك، ثم معاوية وعبد اللَّه عمر. قال عروة ثم حججت مع أبي الزبير بن
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، ط ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت ومكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ١٤٠١ هـ، ج ٢، ص ١٨٢.
(٣) انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، ج ٥، ص ٥٤.
(٤) أبو داود، السنن، ج ٣، ص ١٦١، وهو في صحيح سنن أبي داود للألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود، ناصر الدين الألباني، ط ١، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٩ هـ، ج ١، ص ٣٤٠.
(٥) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٢٩٣٩).
[ ١١٠ ]
العوّام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمرة ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة … " (^١).
فكيف جاز لهؤلاء كلهم أن يعرضوا عن أمر النبي -ﷺ- بالفسخ؟ وكيف جاز لهم أن يخصوه بالعصر الأول فحسب مع أن عموم النصوص لكل عصر وأوان مما علم من الدين بالضرورة كما قاله الزركشي ﵀ (^٢)؟
الذي يظهر أنهم خصصوا هذا العموم بالتعليل، وذلك أنهم ربطوا الأمر بالفسخ بعلة كانت قائمة في العصر الأول ثم انتفت فانتفى معها الحكم، وهي أنهم كانوا في الجاهلية يرونه من أفجر الفجور أن يُعتمر في أشهر الحج فأمرهم النبي -ﷺ- بالفسخ إبطالًا لما قام في نفوسهم من هذا الاعتقاد، ثم لمّا زال هذا الاعتقاد من النفوس عاد الحكم إلى أصله وهو وجوب الإتمام وعدم جواز الفسخ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا.
قال ابن الهمام ﵀: «سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقريرًا لشرْع العمرة في أشهر الحج، ما لم يكن مانع سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظمًا عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكَسر سَوْرة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكارها بحملهم على فعله بأنفسهم، يدل على هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرّم صفرًا،
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٦٤١).
(٢) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ١٨٤، وقد سبق إيراد قوله أيضًا.
[ ١١١ ]
ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر (^١) وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه لصبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه. أي الحلّ؟ قال: الحل كلّه" (^٢)» (^٣).
فإذا كان ذلك كذلك كانت هذه الواقعة من أكبر المثل على تأثر ظاهر النص بعلته المستفادة منه واللَّه أعلم.