عن عمرو بن العاص -﵁- قال: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي -ﷺ-، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت اللَّه يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول اللَّه -ﷺ- ولم يقل شيئًا" (^١).
وجه «تأثير تعليل النص على دلالته» في هذه الواقعة: أن النص الذي جاء بمشروعية التيمم دلّ بظاهره على أن التيمم لا يشرع لواجد الماء إلا المريض، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا …﴾ [النساء: ٤٣]، فالآية تنص صراحة على أنه يشترط في صحة التيمم عدم وجود الماء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وعليه، فإنّ التيمم عند وجدان الماء - بناء على ظاهر النص - باطل بالاستناد إلى أمرين:
أحدهما: المفهوم المخالف للقيد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ بحيث يصير المعنى فإن وجدتم ماءً فلا تتيمّموا.
_________________
(١) أبو داود، السنن، ج ١، ص ٩٢، قال الحافظ في الفتح [١/ ٥٤١]: إسناده قوي.
[ ٩٧ ]
والثاني: حكم النفي الأصلي، وهذا إذا لم يكن المفهوم المخالف حجة كما هو رأي جمع من الأصوليين (^١)، لأن الأصل في العبادات أنها لا تشرع إلا بدليل والمنصوص عليه في الآية هو وجوب التيمم عند عدم وجدان الماء أما التيمم عند وجدان الماء فهذه حالة لا يتعرض لها النص - إذا أُلغي المفهوم المخالف - بالنفي أو الإثبات، فتبقى على حكم النفي الأصلي والذي يقضي بعدم إجزاء التيمم في هذه الحالة لأن العبادة لا تشرع إلا بدليل أو لأن الأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
فما الذي فعله عمرو؟ إنه خرج عن هذا الظاهر وألحق حالة الخوف من الهلاك عند استعمال الماء بحالة فقد الماء أو المرض بعلة ظاهرة وهي: أن التيمم إنما شرع دفعًا للحرج عند فقد الماء أو عند المرض والحرج موجودٌ أيضًا في حالة الخوف من الهلاك عند استعمال الماء فتُلحق هذه الحالة بما نُصَّ عليه من الحالات لاشتراك الجميع في العلة وهي وجود الحرج في كلٍّ.
فاجتهاده هذا تضمن تعميم الحكم لعموم علة النص، بحيث أصبح التيمم مشروعًا في كل حالة يلحق الحرج صاحبها إذا استعمل الماء سواء نُصّ على هذه الحالة في الآية أم لم يُنصّ.
وبهذا يكون عمرو قد أبطل المفهوم المخالف للقيد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وكذا أبطل حكم النفي الأصلي - وهي أدلة ظاهرة لا قاطعة - بالتعليل.
وقد أقرّه النبي -ﷺ- على هذا الاجتهاد فكان حجة على صحة عود التعليل على حكم النص بالتعميم أو - بعبارة أخرى - حجة على مشروعية القياس وإن عارضه المفهوم المخالف للنص.
_________________
(١) انظر: الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، ط ١، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٢ م، ص ٣٠٣.
[ ٩٨ ]
فإن قيل: إذا كان مستند عمرو -﵁- في اجتهاده هو ما ذُكر من نظره إلى علة مشروعية التيمم وهي دفع الحرج فما وجه استدلاله على ما صنع بالآية ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
فالجواب أن عمرًا -﵁- استدل بالآية على عدم جواز إلقاء النفس بالتهلكة، وبالتالي على عدم جواز الوضوء بالماء البارد إذا كان مؤداه إلى الهلاك، أما وجوب التيمم في مثل هذه الحالة فإن الآية لا تدل عليه من قريب ولا بعيد، لأنها لا تقضي إلا بعدم لزوم استعمال الماء إذا كان استعماله مفضيًا إلى الهلاك، أما لزوم استعمال التراب في مثل هذه الحالة فمأخذه ما ذُكر من القياس على باقي الحالات التي شرع عندها التيمم كالمرض وفقد الماء للاشتراك في نفس العلة.
فكأن عمرًا استدلّ بالآية على أن الحرج الناشئ عن استعمال الماء واجب الرفع، ورفع الحرج فيما يشبه هذه الحالة كالمرض وغيره كان - نصًا - بالتيمم، فألحق حالته بما يشبهها من الحالات ودفع الحرج عن نفسه فتيمم.
[ ٩٩ ]