روى البيهقي من طريق الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها حدثته "أنها كانت عند عائشة زوج النبي -ﷺ- فأُخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا يحل للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" فالتفتت عائشة وقالت: ما كلهن لها ذو محرم" (^٢).
_________________
(١) أبو داود، السنن، ج ١، ص ٩٧، حديث رقم (٣٥٣). وقال الحافظ في الفتح [٢/ ٤٢٢]: إسناده حسن.
(٢) البيهقي: أحمد بن حسين، معرفة السنن والآثار، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٩١ م، ج ٤، ص ٢٤٣. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة به وهذا إسناد صحيح.
[ ١١٣ ]
والظاهر من أمر عائشة ﵂ أنها اعترضت بقولها "ما كلهن لها ذو محرم" الأخذ بظاهر الحديث.
ولذا فقد روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أذن عمر -﵁- لأزواج النبي -ﷺ- في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف" (^١).
وفي رواية عند غير البخاري "فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن" (^٢)، وفي رواية أخرى "وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر من الشِّعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب" (^٣).
قال الحافظ بن حجر: «استُدل به على جواز حج المرأة بغير محرم» (^٤).
والذي فعلته عائشة وغيرها من أزواج النبي -ﷺ- يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهن عصين الأمر النبوي المحرِّم للسفر من غير محرم، وهذا فيه ما فيه حاشاهن من ذلك.
والثاني: أنهن تأولن الحديث كما تأوله غيرهن من العلماء بأن نظروا إلى علّة اصطحاب المحرم فإذا هي حصول الأمن، فرأوه كما يحصل بالمحرم يحصل بغيره، وعليه خصصوا عموم النهي القاضي باستغراق تحريم السفر كافة الأحوال بهذا التعليل فأخرجوا عن العموم حالة الأمن.
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج ٤، ص ٨٨.
(٢) المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق.
(٤) انظر: ابن عبد البر، الاستذكار، ج ١٣، ص ٣٦٩.
[ ١١٤ ]
وهذا هو مذهب الإمام مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم من فقهاء الأمصار (^١). قال ابن سيرين (^٢) حين سئل عن سفر المرأة بغير محرم: «رب من ليس بذي محرم خير من محرم» (^٣).
ونظير ما وقع لعائشة ﵂ وقع لابن عمر -﵁-. إذ إنه وهو أحد رواة الحديث: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" (^٤)، كان يردِفُ مولاة له يُقال لها «صفية» تسافر معه إلى مكة (^٥).
وقال البيهقي ﵀: وروى بكير بن الأشج عن نافع: أنه كان يسافر مع ابن عمر مواليات ليس معهن ذو محرم (^٦).