عن ابن أبي أوفى -﵁- قال: "أصابتنا مجاعةٌ يوم خيبر، فإن القدور لتغلي - قال: وبعضها نضجت - فجاء منادي النبي -ﷺ-: لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئًا
_________________
(١) البخاري، الصحيح، ج ٢، ص ٦٥٩، والفرسخ مسافة تقارب خمسة كيلومترات. انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ٧٠٧ وص ٩٣٠.
(٢) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ط ١، من منشورات المجلس العلمي، ج ٢، ص ٥٢٤، وإسناده صحيح.
(٣) انظر: ابن رشد، بداية المجتهد، ج ١، ص ١٢١.
[ ١١٩ ]
وأهريقوها. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس. وقال بعضهم: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة" (^١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "لا أدري أنهى عنه رسول اللَّه -ﷺ- من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّم في يوم خيبر لحم الحمر الأهلية؟ " (^٢).
واضحٌ من خلال هذين الأثرين النظرة التعليلية للأحكام التي كان يتمتع بها الصحابة رضوان اللَّه عليهم حتى في عهد النبي -ﷺ-.
وتعليلاتهم هذه للنهي عن لحوم الحمر الأهلية تُعدّ بلا ريب من أسفر الأدلة على تأثر النص بما يستنبط منه من علة إذ إن مقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها لم تخمس إباحة لحوم الحمر إذا خُمِّست (^٣)، وهذا تخصيص لعموم النص بالتعليل، ومقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها كانت تأكل العذرة، إباحة لحوم الحمر التي لا تأكل العذرة، وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وكذا تعليل ابن عباس، وهو أن النهي عن الحمر كان من أجل أنها كانت حمولة الناس، فهو يقتضي إباحة لحوم الحمر إذا لم يُحتج إليها للحمل. وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وبغض النظر عن صحة هذه التعليلات أو ضعفها فإن دلالتها على المنهجية الاجتهادية القائمة على تعليل الأحكام عند الصحابة رضوان اللَّه عليهم تبقى ثابتة وواضحة.
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٤٢٢٠).
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٤٢٢٧).
(٣) أي: أخرج منها الخمس الذي هو حق اللَّه والرسول والفقراء من الغنائم.
[ ١٢٠ ]
هذا وقد أدرجت هذا المثال في هذا المبحث مع أنه كأمثلة المبحث السابق حدث إبّان العهد النبوي؛ لأنه لم يلق الإقرار من النبي -ﷺ- كتلك الأمثلة لأن الظاهر أنه لم يطلع عليه، فكان هذا المثال بذلك أشبه ما لو كان حصل بعد وفاة النبي -ﷺ-.