كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
عندما ينظر المجتهد في النص الشرعي القابل للتأويل ليستنبط منه حكمًا من الأحكام، فإن نظره يدور بين ثلاثة أقطاب لهذا النص:
القطب الأول: المعنى الظاهر للنص، وهو الراجح الذي تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي، كدلالة العام على العموم أو المطلق على الإطلاق أو الخاص على الحقيقة.
القطب الثاني: علة النص، سواء أكانت منصوصة أو اجتُهد في استنباطها.
القطب الثالث: المعنى المؤول للنص، وهو المرجوح الذي يحتمل أن تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي كدلالة العام على الخاص أو المطلق على المقيد أو الخاص على المجاز.
فإذا نظر المجتهد نظر متفحص في هذه الأقطاب الثلاثة فإنه يتحصل على جملة من الظنون لا يتسنى له استنباط الحكم منها إلا بعد أن يجمع بين هذه الظنون ويوفق بينها بحيث يخرج بعد ذلك بظن غالب على حكم من الأحكام.
وهذه الظنون هي:
الظن الأول: ظن المعنى الظاهر، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإن كان عامًا عُمّم الحكم، وإن كان مطلقًا أُطلق وإن كان لفظًا حقيقيًا فهو المراد دون المجاز.
[ ٧٧ ]
وهذا الظن من اسمه ظاهر، أي قوي، لذلك فهو أول ظن يقع اعتبار المجتهد له.
الظن الثاني: ظن العلة، ومقتضى هذا الظن أن يثبت الحكم في جميع المحال التي تتحقق فيها العلة، وأن ينتفي عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها.
وهذا الظن في القوة على درجات، وهو ثاني ظن يقع اعتبار المجتهد له، فإن انسجم واتفق هذا الظن مع ظن المعنى الظاهر في الدلالة على حكم ما قضى المجتهد بهذا الحكم واكتفى بذلك وإلا اضطر إلى النظر إلى:
الظن الثالث: وهو ظن المعنى المؤول، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإذا كان خاصًا خُصّص الحكم وإن كان ظاهر النص العموم، وإذا كان مقيدًا قُيّد الحكم وإن كان ظاهر النص الإطلاق وإذا كان مجازًا فهو المراد دون المعنى الحقيقي.
وهذا الظن - من حيث الأصل - ضعيف ولذا فهو آخر ما يقع اعتبار المجتهد له.
هذه هي الظنون الثلاث التي تتحصل لدى المجتهد عند نظره في نص شرعي قابل للتأويل.
فأما ظن المعنى الظاهر، وظن المعنى المؤول فهما ظنان متعاكسان متضادان إذا قوي أحدهما ضعف الآخر وإذا ضعف أحدهما قوي الآخر.
وأما ظن العلة فله مع ظنّيِ المعنى الظاهر والمؤول حالات ثلاث:
الأولى: أن لا يؤثر على كل من الظنين، وذلك كإذا لم تعرف علة النص بأن لم يوقف عليها بمسلك صحيح وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بما يقتضيه ظاهر النص لأنه هو الظن الأقوى.
[ ٧٨ ]
الثانية: أن يزيد في قوة المعنى الظاهر بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، وفي هذه الحالة أيضًا يحكم المجتهد - ولكن بمزيد من الثقة - بما يقتضيه ظاهر النص.
الثالثة: أن يزيد في قوة المعنى المؤول بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى المعنى المؤول للنص، وهذا بالضرورة يقتضي تعارض مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، لأن المعنى المؤول والمعنى الظاهر متضادان فموافقة أحدهما تعني بالضرورة مضادة الآخر.
وهذه الحالة يتفرع عنها بحسب التقسيم المنطقي ثلاث حالات:
الأولى: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول حتى يصيرا بمجموعهما أقوى من ظن المعنى الظاهر، وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى المؤول للنص.
الثانية: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول ولكن بحيث يظل - في نظر المجتهد - ظن المعنى الظاهر أقوى من مجموعهما وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى الظاهر.
الثالثة: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول بحيث يساويان ظن المعنى الظاهر وفي هذه الحالة: إما أن يُقال بالتوقف وطلب الدليل من خارج، وإما أن يُقال: نحكم بالظاهر لأنه هو المتبادر.
[ ٧٩ ]