أقوال أصوليي الشافعية والمالكية والحنابلة
قول الإمام الشافعي ﵀:
بخلاف كثير من مسائل العلّة فإن هذه المسألة، مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته، قديمة الوجود، حتى إن الإمام الشافعي ﵀، أول الأصوليين، تعرّض لها، حيث منع - في ثنايا ردوده على الحنفية في بعض مسائل الفقه - من أن تؤثر العلّة على ظاهر النّص، قال إمام الحرمين:
«مما غلّظ الشافعي فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى تعطيل اللفظ، وخرّج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة، ونحن نرى أن نفردها مسألة مسألة (^١)، ونبدأ الآن بالكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …﴾ [التوبة: ٦٠]. قال الشافعي: أضاف اللَّه تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصافٍ فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبًا إلى أن المرعيَّ الحاجة، وهذا في التحقيق: تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى فلو كانت الحاجة هي المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ومقتضاها الضبط» (^٢).
ومحل الاستشهاد في هذا الكلام هو قول الشافعي ﵀: «وهذا في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى».
_________________
(١) سيأتي شرح وتوضيح بعض هذه المسائل في المبحث الثالث من هذا الفصل.
(٢) إمام الحرمين، البرهان، ج ٢، ص ٣٥٩، وليس كلام الشافعي هذا في الرسالة ولا في مظانه من كتاب الأم ولعله أشبه بأسلوب إمام الحرمين فيكون من نقله بالمعنى.
[ ١٣٠ ]
أي أنها علة - معنى (^١) - أبطلت القيود اللفظية للنص، وهذا يعني أنها عادت عليه بالتأثير وهذا الوجه من التأويل لا يجوز (^٢).
وقال إلكيا الهرّاسي (^٣) تأكيدًا لورود القول في هذه المسألة عن الإمام الشافعي ﵀: «المنقول عن الشافعي أنه لا يجوز تخصيص العموم بالمعنى» (^٤).
وهذا الذي ذكره إلكيا ونقله إمام الحرمين هو أحد القولين عن الإمام الشافعي، ﵀، في هذه المسألة، وأما القول الآخر فهو يقضي بجواز تأثير العلّة على النّص، قال الزركشي عقب مسألة تخصيص العموم بالقياس: «إن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى، فإن تلك للشافعي فيها قولان، ولهذا تردّد في نقض الوضوء بالمحارم لأجل عموم ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والتخصيص بالمعنى - وهو الشهوة - منتفية فيهم، وكذا في القاتل بحق مع حديث: "القاتل لا يرث" (^٥) وقوله -ﷺ-: "أيما إهاب
_________________
(١) قال عبد العزيز البخاري: «كان السلف لا يستعملون لفظ العلّة وإنما يستعملون لفظ: المعنى أخذًا من قوله -﵇-: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث" أي: علل». عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج ١، ص ١٢. أفاده الأستاذ شلبي، تعليل الأحكام، ص ١٢٤.
(٢) سيأتي في المبحث الثالث من هذا الفصل توضيح وجه عود العلّة على النّص بالتأثير في هذه المسألة.
(٣) هو: علي بن محمد بن علي، إمام أصحاب الشافعي في زمانه، والمناظر عنهم، برع في الفقه والأصول والخلاف، وولي تدريس النظامية ببغداد، له: «أحكام القرآن» و«نقض مفردات أحمد»، وكتابان في أصول الفقه، توفي سنة ٥٠٤ هـ، انظر: ابن بدران الدمشقي، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ط ٤، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١١ هـ، ص ٤٥٧.
(٤) الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٨.
(٥) الترمذي، السنن، ج ٤، ص ٤٢٥. ابن ماجة، السنن، ج ٢، ص ٩١٣. والحديث حسن بطرقه. انظر: عبد اللَّه الغماري، الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج، ط ١، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٥ هـ، ص ١٠٠. ووجه اجتهاد الشافعي في هذا الحديث أنه أخرج «القاتل بحق» كالجلاّد أو القاضي أو دافع الصائل عن عموم الحديث «القاتل لا يرث» فحكم بتوريثه نظرًا إلى أن العلّة من حرمان القاتل من الإرث هي العقوبة وهو ليس أهلًا لها، والمخطئ أهلٌ لها بتقصيره، وهذا تعليل عاد على النّص بالتخصيص، وهناك قول آخر للشافعي بعدم توريثه نظرًا إلى الصيغة. انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص ٧٣، والشربيني، مغني المحتاج، ج ٤، ص ٢٥.
[ ١٣١ ]
دُبغ فقد طهر" (^١) استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير».
ثم قال: «وقد نقّح إمام الحرمين في «النهاية» الفارق بين المسائل فقال بعد تجويزه التخصيص بالقياس: هذا فيما يتطرق إليه المعنى، وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير فالأصل فيه التعلّق بالظاهر وتنزيله منزلة النّص، ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات فيتعين النظر إليه. وهذا له أمثلة:
منها: أن اللَّه تعالى ذكر الملامسة في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فحملها الشافعي على الجس باليد ثم تردد نصُّه في لمس المحارم، من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته فلا يكاد يجري في نفيه، فمال الشافعي في ذلك [أي في قوله الأول] إلى اتباع اسم النساء وأصح قوليه [القول الثاني وهو] أن الطهارة لا تنقض بمسهن لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يُشعر بلمس اللاتي يُقصدن باللمس» (^٢).
وقد حكى هذين القولين كليهما ابن السبكي في جمع الجوامع، فقال وهو بصدد تعداد شروط العلّة: «ومنها [أي من شروط العلّة] أن لا تعود على الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال، وفي عودها على الأصل بالتخصيص له لا التعميم قولان» (^٣).
_________________
(١) مسلم، الصحيح، حديث رقم (٣٦٦) وسيأتي وجه تأثير تعليل النّص على دلالته في هذا الحديث عند الشافعي بعد قليل في ثنايا كلام الغزالي في المسألة.
(٢) الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٧.
(٣) السبكي، جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩٠.
[ ١٣٢ ]
قال شارحه المحلّي (^١): «قيل: يجوز فلا يشترط عدمه وقيل: لا فيشترط، مثاله تعليل الحكم في آية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] بأن اللمس مظنة الاستمتاع، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض لمسهن الوضوء، كما هو أظهر قولي الشافعي. الثاني: ينقض عملًا بالعموم و[مثاله] تعليل الحكم في حديث أبي داود وغيره أنه -ﷺ- "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (^٢) بأنه بيع الربوي بأصله فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره كما هو أحد قولي الشافعي لكن أظهرهما المنع نظرًا للعموم» (^٣).
قال المحلي: «ونظرًا لاختلاف الترجيح في الفروع أطلق المصنف [يعني صاحب جمع الجوامع] القولين» (^٤) أي: ولم يرجح أحدهما على الآخر، قال العطّار: «ولكن رجح الإسنوي الجواز» (^٥).
قلت: وكذلك فعل الشربيني (^٦)، حيث قال في مغني المحتاج بعد بيانه لقولي الشافعي في نقض الوضوء بلمس المحارم:
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن محمد المحلي الشافعي، أصولي مفسر، مولده ووفاته بالقاهرة، كان مهيبًا، صداعًا بالحق، له: «شرح المنهاج» في فقه الشافعية و«البدر الطالع في حل جمع الجوامع»، و«شرح الورقات» في الأصول، توفي سنة ٨٦٤ هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج ٥، ص ٣٣٣.
(٢) أبو داود، السنن، ج ٣، ص ٢٥٠. ومالك، الموطأ، ج ٢، ص ٦٥٥. وحسنه الشافعي كما نقله عنه الماوردي، الحاوي الكبير، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٤ هـ، ج ٥، ص ١٥٧. ووجه اجتهاد الشافعي في هذا الحديث أنه أخرج -في أحد قوليه- بيع الحيوان المأكول بغير المأكول عن عموم الحديث فأجاز هذا البيع نظرًا إلى أن العلّة في النهي عن بيع اللحم بالحيوان أن هذا بيع يتضمن تبادل مال ربوي بأصله وهو لا يجوز لعدم إمكان التماثل وأما بيع المأكول بغير المأكول فلا تتحقق فيه هذه العلّة لأن غير المأكول ليس مالًا ربويًا عند الشافعي لأنه غير مطعوم. وانظر: في قولي الشافعي في المسألة، الماوردي، الحاوي الكبير، ج ٥، ص ١٥٩.
(٣) جلال الدين المحلي، شرح جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩٠.
(٤) المرجع السابق، ج ٢، ص ٢٩١.
(٥) العطّار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩١، ولم أجده في شرح الإسنوي على المنهاج.
(٦) هو: محمد بن أحمد الخطيب الشربيني شمس الدين، فقيه شافعي، من أهل القاهرة، له تصانيف منها: «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، و«مغني المحتاج» توفي سنة ٩٧٧ هـ. انظر: الزركلي، ج ٦، ص ٦.
[ ١٣٣ ]
«والقولان مبنيان على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه؟ أو لا؟ والأصح الجواز» (^١).
وقول الشربيني، ومن قبله الإسنوي، بترجيح جواز أن يُستنبط من النص معنى يخصصه أولى من إطلاق ابن السبكي القولين في هذه المسألة من غير ترجيح نظرًا لاختلافه في الفروع.
ووجه الأولوية هو أنّ القول بجواز أن يُستنبط من النّص معنى يخصصه لا يستلزم وجوب اطراد ذلك في جميع الفروع، لأن الجواز شيء، والوجوب شيء آخر.
وإذن، فإن اختلاف الترجيح في الفروع الفقهية لا ينافي القول بالجواز حتى يُعدَّ المنع من تخصيص نص ما بالعلة المأخوذة منه إبطالًا لهذا الجواز، وذلك لأن الجواز تخييرٌ بين التخصيص وعدمه، فجائز أن يُرجح التخصيص بالعلة في فرع من الفروع ثم لا يُرجح في فرعٍ آخر.
هذا ومما ينبغي التنبيه إليه هو أن القولين المحكيين عن الشافعي في جواز وعدم جواز أن تعود العلّة على النص بالتأثير، إنما هما في صورة محدّدة من صور التأثير، وهي صورة عود العلة على النص بالتخصيص (^٢)، وأما عودها عليه بالتعميم فالقول عنده واحد وهو الجواز لذلك قال ابن السبكي في جمع الجوامع - وكما سبق نقله - «وفي عودها [أي العلة] على الأصل بالتخصيص لا التعميم قولان» (^٣) فاستثنى التعميم. قال شارحه المحلي: «وقوله: «لا التعميم» أي فإنه يجوز العود به قولًا واحدًا كتعليل الحكم في حديث
_________________
(١) الشربيني، مغني المحتاج، ج ١، ص ٣٤.
(٢) ويقاس عليه كل تأويل.
(٣) ابن السبكي، جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩١.
[ ١٣٤ ]
الصحيحين: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (^١) بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب أيضًا» (^٢).
وكذلك قال الزركشي عقب بيانه لقولي الشافعي في عود العلة على النص بالتخصيص: «واعلم أنه يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعمّمه قطعًا، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله -ﷺ- "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وكاستنباط الاستنجاء بالجامد القالع من الأمر بالأحجار، وهو غالب الأقيسة» (^٣).
وإجازة الإمام الشافعي، ﵀، عود العلة على النص بالتعميم قولًا واحدًا بخلاف عودها عليه بالتخصيص، ما هي - واللَّه أعلم - إلا لأن عود العلة على النص بالتعميم ليس هو شيئًا آخر غير القياس - والقياس حجة عند الشافعي بلا تردد - إذ قال الشاطبي في القياس: «لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى وهو معنى متفق عليه» (^٤).
وقال في تعميم الأصوليين حكم تحريم القضاء حالة الغضب في كل مشوش: «إلحاق كل مشوش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ» (^٥).
أقوال الأصوليين ممن هم بعد الشافعي في المسألة:
ذهب أكثر الأصوليين ممن جاءوا بعد الشافعي ﵀ إلى ما ذهب إليه الشافعي في قوله الأول فمنعوا من أن تعود العلة على النص بالتخصيص أو التأويل، وهذا هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني (^٦)، وأبي إسحاق
_________________
(١) البخاري، الصحيح، حديث رقم (٧١٥٨) ومسلم، الصحيح، حديث رقم (١٧١٧).
(٢) جلال الدين المحلي، شرح جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩١.
(٣) الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٧.
(٤) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ٥١.
(٥) المرجع السابق، ج ١، ص ٩٠.
(٦) انظر، الغزالي، المنخول، ص ١٩٢، والباقلاني مالكي المذهب.
[ ١٣٥ ]
الإسفراييني (^١) وتلميذه أبي منصور البغدادي (^٢) وأبي إسحاق الشيرازي (^٣)، وإمام الحرمين (^٤). قال الباقلاّني: «كل تأويل تضمن الحطّ عن المنصوص فهو باطل» (^٥)، وقال في اجتهاد الحنفية بجواز دفع القيم في الزكوات نظرًا لعلة سدّ الحاجة: «هذا دليل مستنبط من النص يكر على ظاهره بالإبطال والرفع، وهذا الفن باطل» (^٦).
وقال إمام الحرمين: لا تجوز «إزالة الظاهر بمعنى يستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات» (^٧).
وهذا القول هو الذي ظل سائدًا في أوساط الأصوليين حتى جاء الغزالي، ﵀، فأعرض عما قرره شيخه إمام الحرمين، وغيره من أصوليي الشافعية، وفصّل القول في المسألة فقال بعد أن قرّر أن الفقهاء مالكًا والشافعي وأبا حنيفة قائلون - من خلال تفريعاتهم الفقهية - بجواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص: «والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع - والعلم فيه عند اللَّه تعالى - أن المعاني المفهومة من النصوص تنقسم إلى:
* ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقًا لا يتراخى عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ وقد يكون مساويًا له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير. وإلى:
_________________
(١) انظر، الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٤.
(٢) المرجع السابق. وأبو منصور البغدادي هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد، عالم متقن من أئمة الأصول، ولد ونشأ في بغداد ومات في إسفرايين، من كتبه: «أصول الدين» و«الفرق بين الفرق» في العقائد، و«التحصيل» في أصول الفقه، توفي سنة ٤٢٩ هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج ٤، ص ٤٨.
(٣) انظر، أبو إسحاق الشيرازي، شرح اللمع، ج ٢، ص ٩٦٥. وأبو إسحاق الشيرازي هو إبراهيم بن علي بن يوسف، ولد في فيروزأباد، قرية من قرى بلاد فارس، ولازم شيراز، ثم انتقل إلى البصرة فبغداد، له: «اللمع» وشرحها في الأصول، و«المهذب» في الفقه، توفي سنة ٤٨٥ هـ. انظر: مقدمة عبد المجيد تركي ل «شرح اللمع»، ج ١، ص ٩.
(٤) انظر، إمام الحرمين، البرهان، ج ١، ص ٣٥٩ والزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٤.
(٥) نقله عنه الغزالي، المنخول، ص ١٩٢.
(٦) المرجع السابق، ص ٢٠١.
(٧) نقله الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ٣٧٤ عن نهاية المطلب لإمام الحرمين.
[ ١٣٦ ]
* ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يستنبط بالسبر والنظر ويستبان بدقيق الفكر.
وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه [في نهيه -ﷺ- عن قضاء القاضي وهو غضبان] إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطرب العقل إذا ذكر مقرونًا بتحريم القضاء.
فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم وإلى العموم من الخصوص - جائز على نسق واحد، من حيث إن من منع العلة التي تعكر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولًا، ثم طلب علته.
وهذا فيما يتقدم الحكم في الفهم على العلة والمعنى، ولا يكون المعنى قرينة، فالمعنى في هذه الأمثلة ونظائرها سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسِّرة للفظ، المقررة لمعناه في الفهم، فلم يكن من ذلك القبيل.
فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويُستنبط بالتأمل والنظر فلا يُتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحسم أيضًا باب التخصيص به، بل يجوز أن يُعتمد عليه ويُخرج به عن اللفظ ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد وهو الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادرًا في قبيل ذلك الحكم، وهذا كقوله -ﷺ-: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (^١)، فقد ذكر للطهارة سببًا وهو الدباغ واقتضى عمومه طهارة جلد الكلب بالدباغ.
وقد استنبط الشافعي -﵁- من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم، وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة.
_________________
(١) سبق تخريجه في هذا المطلب.
[ ١٣٧ ]
واقتضى مساق هذا الكلام إخراج جلد الكلب منه، بعد تناوله، بدليل أن الكلب نجس في حال الحياة.
فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص، وليس أمثاله ممنوعًا؛ إذ العام يطلق ويُراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة» (^١).
وهذا الذي فصّله الغزالي ووضحه هو الغاية في هذه المسألة، وهو يرمي - باختصار - إلى جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص، لكن لا بإطلاق، وإنما حيث قَوِي ظن العلة أو ضَعُف ظن ظاهر اللفظ كما سبق بسط القول في ذلك في الفصل الأول من هذه الرسالة.
ومن ثَمّ، وبعد أن مضى الغزالي، ﵀، انحسر البحث في هذه المسألة في كتب الأصول، لا سيما تلك التي اشتهرت بعده كالمحصول للرازي، والإحكام للآمدي، ففي حين لم يتعرض الرازي للمسألة من قريب ولا بعيد، مرّ بها الآمدي مرورًا سريعًا فلم يذكر قولي الشافعي أو تفصيل الغزالي فيها، وإنما قال في شروط العلة: «يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال، وذلك كتعليل وجوب الشاة في مال الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة» (^٢).
وقال في باب الظاهر وتأويله، بعد أن أبطل تأويل الحنفية لوجوب الشاة في باب الزكاة بنحو ما سبق عنه من قول: «ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …﴾ [التوبة: ٦٠]. من جواز الاقتصار على البعض نظرًا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة …» (^٣)
_________________
(١) الغزالي، شفاء الغليل، ص ٨٣ - ٨٧ مع حذف ما لا حاجة إليه.
(٢) الآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٧٩.
(٣) الآمدي، الإحكام، ج ٣، ص ٧٩.
[ ١٣٨ ]
أما ابن الحاجب فقد سلك مسلك الآمدي تمامًا إلا أنه عارضه - بحكم مالكيته - في رده تأويل الحنفية والمالكية لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ …﴾ [التوبة: ٦٠].
وكما صنع الرازي، صنع صاحب المنهاج - البيضاوي - فلم يتعرض للمسألة من قريب ولا بعيد.
وهكذا ظل البحث في هذه المسألة مقتضبًا وغامضًا، إلى أن جاء ابن السبكي، ومن بعده الزركشي، فكشفا عن قولي الشافعي في المسألة وفرّقا بين عود العلة على النص بالتخصيص، وبين عودها عليه بالتعميم، فالحالة الأولى فيها قولان، والحالة الثانية تجوز قولًا واحدًا (^١).
ومن حَسَنِ ما نبّه إليه الزركشي في هذه المسألة قوله: «فرعٌ ولّدتُه: هل يجوز أن يستنبط من المقيد معنى يعود عليه بالإطلاق؟ فيه نظر، وقد جوَّز جمهور أصحابنا الاستنجاء بحجر واحد له ثلاثة أحرف نظرًا للمعنى وهو الإزالة بطاهر، وفيه رفع قيد العدد في قوله -ﷺ-: "فليستنج بثلاثة أحجار" (^٢)» (^٣)، فأشار بهذا الكلام إلى أن ما يُقال بشأن عود العلة على النص بالتخصيص أو عودها عليه بالتعميم لا يقتصر على هذه الصورة من صور تأثير تعليل النص على دلالته فحسب بل يطّرد في غيرها من صور التأثير كعودها على المطلق بالتقييد أو عودها على المقيد بالإطلاق.
_________________
(١) انظر: ابن السبكي، جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩٠، ٢٩١، وقد سبق إيراد قوله بتمامه، والزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٢، وقد سبق نقل شيء من أقواله.
(٢) الدارقطني، السنن ج ١، ص ٥٤، وقال عقب إحدى رواياته: إسناد صحيح.
(٣) الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٧٨.
[ ١٣٩ ]
هذه هي أقوال أصوليي الشافعية والمالكية في المسألة، أما الحنابلة فقد ذكر ابن النجار في كتاب الترجيحات من شرح الكوكب المنير أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، تُرجح في مقام التعارض على العلة التي تعود عليه بذلك عازيًا هذا القول إلى أبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين (^١)، وهذا يقتضي جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص عندهم لأن الترجيح فرع عن صحة دليلي التعارض.
وقبل الانتقال إلى أقوال أصوليي الحنفية في المسألة، أود التعرض لبيان أقوال أربعة من محققي الأصوليين أحسنوا القول في هذه المسألة: أحدهم ابن دقيق العيد (^٢)، وهو شافعي المذهب، والثاني أبو إسحاق الشاطبي، وهو مالكي المذهب والثالث والرابع تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما - في الجملة - حنبليّان.