أدلة المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
سبق نقل جواز تأثير تعليل النص على دلالته عن الغزالي وعزاه إلى الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن ابن السبكي والإسنوي وابن دقيق العيد وابن القيم وابن تيمية والشاطبي ومشايخ سمرقند من الحنفية وأبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين.
وهؤلاء المجيزون لا يذكرون - في جملتهم - أدلة خاصة على ما ذهبوا إليه إلا أن بعضهم استدل بما يلي:
الدليل الأول: ما روي من اجتهاد الصحابة بالوصال في الصوم مع علمهم بالنهي «تحقُّقًا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة لا أنّ مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله» (^١) وإقرار النبي -ﷺ- إياهم على هذا الاجتهاد.
وقد سبق توضيح هذا الاجتهاد ومناقشته أثناء الحديث عن اجتهادات الصحابة في الفصل الثاني فلا حاجة لتكرار القول هاهنا.
الدليل الثاني: القياس على جواز تخصيص العام بالقياس.
العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد (^٢) والقياس هو إلحاق فرع بأصل في الحكم لاشتراكهما في العلة المقتضية للحكم (^٣).
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥٠.
(٢) الرازي، المحصول، ج ١، ص ٣٥٣.
(٣) انظر: محمد بن أحمد التلمساني، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٣ هـ، ص ١٢٩، وسيشار له بـ التلمساني، مفتاح الوصول. ومحمد الخضري بك، أصول الفقه، ط ٧، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤١٢ هـ، ص ٢٨٨، وسيشار له بـ الخضري، أصول الفقه.
[ ١٦١ ]
وإذن، فتخصيص العام بالقياس يعني: قصر العام على بعض ما يصلح له بدليل القياس، أو هو إخراج بعض أفراد العام عن حكمه لاندراج هذا البعض تحت حكمٍ آخر يقتضيه القياس.
ومثال ذلك إباحة بعض الشافعية (^١) قطع «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج في البلد الحرام» بدليل القياس على إباحة قتل الفواسق الخمس الثابتة بالحديث «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم » (^٢) وذلك لاشتراك «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» و«الفواسق الخمس» بعلة الإيذاء.
مع أن هذا القياس معارض بعموم قوله -ﷺ- في البلد الحرام: "هو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده " (^٣).
وجه ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بجواز تخصيص العام بالقياس:
تخصيص العام بالقياس إنما هو صرف للنص عن معناه الظاهر إلى معناه المؤول بمقتضى العلة.
وبيان ذلك - من خلال المثال المتقدم - أنه قد وقع تعارض في «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» في أرض الحرم بين مقتضى ظاهر النص وبين مقتضى العلة.
_________________
(١) انظر: النووي، منهاج الطالبين، مع شرحه مغني المحتاج، ج ١، ص ٥٢٨ والبوطي، ضوابط المصلحة، ص ١٧٥.
(٢) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٨٢٩).
(٣) البخاري، الصحيح، حديث رقم (١٨٣٤).
[ ١٦٢ ]
فمقتضى ظاهر النص "لا يعضد شوكه" يتناوله بحكمة وهو عدم جواز التخلص منه بقطع أو غيره ومقتضى العلة المستنبطة من الحديث خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم … وهي الإيذاء يتناوله بحكمه وهو جواز التخلص منه بقطع أو غيره.
ولدفع هذا التعارض وجمعًا بين دليلي العموم والعلة قيل بتخصيص عموم النص بالعلة، وتخصيص العموم صرفٌ للنص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول، وعليه، فالقول بتخصيص العام بالقياس ما هو إلا قول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى ظاهر النص عند التعارض، فإذا كان كذلك فأيُّ فرق بين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر نص آخر - كما هو الحال في تخصيص العام بالقياس - وبين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر النص نفسه الذي استُنبطت منه العلة - كما هو الحال في تأثير تعليل النص على دلالته -؟.
أليس ذاك نصًا بطل ظاهره بالعلة وهذا كذلك؟
وأليس القول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى النص عند التعارض حاصل في الحالين؟
وإذن، فمن قال بجواز تخصيص العام بالقياس - وهم الجمهور من الأصوليين (^١) - يلزمه بلا بد القول بتأثير تعليل النص على دلالته، لاسيما وقد أشار إلى ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بتخصيص العام
_________________
(١) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج ٢، ص ٢٧٥. والرازي، المحصول، ج ١، ص ٤٣٦، والزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٦٩ - ٣٧٤ وابن الهمام، التحرير، ج ١، ص ٣٢١.
[ ١٦٣ ]
بالقياس الإسنوي، ﵀، حيث رجح جواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص قياسًا على جواز تخصيص اللفظ العام بها (^١).
وأشار إلى ذلك أيضًا الصفي الهندي ﵀، وذلك حينما انتقد اشتراط الأصوليين لصحة العلة المستنبطة من أصل ما أن لا تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالإبطال فقال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله [أي الأصل] بالكلية، فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز لأنه كتخصيص العلة لحكم نص آخر [وهذا هو التخصيص بالقياس] وهو جائز فكذا هذا» (^٢).
إلا أن بعض الأصوليين قد اعترض على التسوية بين تخصيص النص بما يستنبط منه من علة وبين تخصيص النص بعلة مستنبطة من نص آخر، بأن الحالة الأولى تتضمن عود الفرع على أصله بالإبطال - وهذا لا يصح - بخلاف الحالة الثانية لأن العلة لا تخصص أصلها وإنما تخصص نصًا آخر. قال أبو إسحاق الشيرازي: «القياس الجلي يجوز التخصيص به قطعًا، وأما الخفي فإن كان مستنبطًا من الأصل لم يجز تخصيصه به قطعًا لأنه يعترض الفرع على أصله وهو لا يصح، وإن كان غير مستنبط من الأصل جاز» (^٣).
وهذا الاعتراض صحيح إذا سُلّم بأن عود العلة على أصلها بالتخصيص إنما هو إبطال له، ولكنَّ هذا ليس بمسلم كما سيأتي بيانه في المطلب التالي.
الدليل الثالث: وهو دليل لغوي وذلك «أنّ [والكلام للشاطبي] كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا
_________________
(١) انظر: العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ج ٢، ص ٢٩١ وليس هو في شرح الإسنوي على المنهاج.
(٢) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج ٥، ص ١٥٣.
(٣) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٤٧، مع حذف ما لا حاجة إليه ولم أجده بنصه في شرح اللمع.
[ ١٦٤ ]
صار ضحكة وهزءة، ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار أو عظيم الرماد أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط (^١) وما لا ينحصر من الأمثلة ولو اعتبر اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول فما ظنك بكلام اللَّه وكلام رسوله -ﷺ-» (^٢).
وقال الغزالي بعد تجويزه لتخصيص النص بما يستنبط منه من عله «فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص وليس أمثاله ممنوعًا إذ العام يطلق ويراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة» (^٣).
وقال ابن القيم: «اللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم فقال: واللَّه لا أنام أو: اشرب هذا الماء فقال: واللَّه لا أشرب، فهذه كلها ألفاظ عامّة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر» (^٤).
ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن نقل الخاص إلى العام والعام إلى الخاص بالعلة، وإن أمكن أن يكون تصرفا لغويًا، إلا أنه ليس على إطلاقه كذلك، بل لا يكون هذا التصرف لغويًا إلا حيث كانت العلة قاطعة أو ظاهرة ظهورًا قويًا كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إذ لا يقتصرُ النهي على التأفف وإنما يعم كل ما يؤدي إلى
_________________
(١) القرط: ما يعلق بالأذن (الحلق) وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق. انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ٧٥٥.
(٢) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٤٧.
(٣) الغزالي، شفاء الغليل، ص ٨٧.
(٤) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج ١، ص ٢١٩.
[ ١٦٥ ]
الإيذاء، وهذا ما يسميه الأصوليون بمفهوم الموافقة (^١) أو دلالة النص (^٢)، ولا خلاف في التخصيص والتعميم بمثل هذه العلل إلا عند من شذ من الظاهرية (^٣).
وأما العلل التي تحتاج إلى تأمل وتفكير واستنباط - وهي التي وقع النزاع بتأثيرها على النص - فلا يمكن الادعاء بأن تعميم النص وتخصيصه بها هو من قبيل الدلالة اللغوية لنفس النص الذي استنبطت منه والدليل على ذلك أن غير المجتهد - حتى لو كان لغويا - لا يقوى على فهم هذا التعميم أو التخصيص بمجرد سماع النص بخلاف الحال في مفهوم الموافقة حيث يدرك ذلك كل عالم باللغة.
وادعاء ابن رشد (^٤) - وهو ما قد يُفهم من كلام ابن القيم (^٥) - بأن القياس، أو بعبارة أخرى تعميم الحكم بالعلة إنما هو من قبيل الدلالة اللغوية للنص الشرعي - على الرغم من أن له وجهًا إلا أنه يبقى محلًا للنظر.
الدليل الرابع: وهو أوجه نظرية ثلاثة ذكرها الشاطبي:
أحدها: أنه «قد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعًا، وأن الأوامر والنواهي مشتملة عليها، فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث قصدنا موافقته، فإن الفرض أن هذا الأمر وقع لهذه المصلحة، فإذا ألغينا النظر فيها في التكليف بمقتضى الأمر كنا قد أهملنا في
_________________
(١) وهو إطلاق الجمهور انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٤، ص ٧ - ١١ ومحمد الخضري أصول الفقه، ص ١٢٢.
(٢) وهو إطلاق الحنفية انظر: ابن الهمام، التحرير، ج ١، ص ٩٠، ومحمد الخضري، أصول الفقه ص ١٢٢.
(٣) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٤، ص ١٠.
(٤) انظر: ابن رشد، الضروري في أصول الفقه، ص ١٣٠ - ١٣١.
(٥) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ص ٢١٨ وما بعدها، ص ٣٣٧ وما بعدها.
[ ١٦٦ ]
الدخول تحت حكم الأمر ما اعتبره الشارع فيه فيوشك أن نخالفه في بعض موارد ذلك الأمر» (^١).
والوجه الثاني: «أن النبي -ﷺ- نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي فجاء الأمر بمكارم الأخلاق وسائر الأمور المطلقة، والنهي عن مساوئ الأخلاق وسائر المناهي المطلقة وقد تقدم أن المكلف جُعل له النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومُنّته (^٢)، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردًا من الالتفات إلى المعاني» (^٣).
والوجه الثالث: أن «الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تُعلم من النصوص وإن عُلم بعض فالأكثر منها غير معلوم وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح وفي أي مرتبة تقع وبالاستقراء المعنوي ولم نستند فيه إلى مجرد الصيغة» (^٤).
وهذه الأوجه التي يذكرها الشاطبي في تدعيم القول بلزوم النظر إلى علة النص وإن أدى ذلك إلى التأثير على ظاهره أوجه قوية، إلا أنه يمكن الاعتراض على الوجه الأخير منها بأن ما ذكر من أن دلالة الأوامر على الوجوب أو الندب والنواهي على التحريم أو الكراهة لا تُعلم بالتحديد إلا من خلال
_________________
(١) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥٠.
(٢) المُنَّة بضم الميم وتشديد النون: القوة والطاقة. انظر: المعجم الوسيط، ج ٢، ص ٩٢٤.
(٣) الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ١٥١.
(٤) المرجع السابق، ج ٣، ص ١٥٣.
[ ١٦٧ ]
اتّباع المعاني فهذا صحيح عند من يقولون (^١) - ومنهم الشاطبي (^٢) - بالوقف (^٣) أو الاشتراك (^٤) في دلالة الأمر بين الوجوب والندب وفي دلالة النهي بين التحريم والكراهة.
أمّا جمهور الأصوليين (^٥) القائل بأن الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم فلا يرد عليه أن التفرقة بين الأوامر ما كان منها أمر وجوب أو ندب، وبين النواهي ما كان منها نهي تحريم أو كراهة لا تكون إلا باتباع المعاني، لأنه حيث لا قرينة صارفة للأمر أو النهي تبقى دلالتهما على أصلها من الوجوب أو التحريم ولا لزوم لاتباع المعنى أو العلة كما ادعاه الشاطبي.
_________________
(١) كالأشعري والباقلاني والغزالي وأبي منصور الماتريدي، وعُزي إلى الشافعي انظر: الشوكاني، إرشاد الفحول، ص ١٦٩.
(٢) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج ٣، ص ٢١٠.
(٣) وصفة الوقف أنهم يقولون: الأمر إما حقيقة في الوجوب وإما حقيقة في الندب وإما مشترك بينها لكنا ما ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة، لذلك لا يتعين معنى الأمر عندهم إلا بالقرينة انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٢، ص ٣٦٨.
(٤) إما الاشتراك اللفظي كالقرء للحيض وللطهر وإما الاشتراك المعنوي بأن يدل الأمر على مطلق الطلب ويحصل التفريق بين أمر الوجوب وغيره بالقرائن انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٢، ص ٣٦٨.
(٥) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج ٢، ص ٣٦٥ والشوكاني، إرشاد الفحول، ص ١٦٩.
[ ١٦٨ ]