مجال تأثير تعليل النص على دلالته
يمكن - بشيء من التجوز - تشبيه النص الشرعي القابل للتأويل برسالة أراد مرسلها منها الدلالة على أمر ما، لكنه - لغرض يريده - كتب ما أراد الدلالة عليه بحبر سرّي أو خفي، ثم كتب فوقه كلاما لا يقصد مدلوله بحبر عادي أو ظاهر.
فمقتضى المكتوب بالحبر الخفي هو مؤول النص، ومقتضى المكتوب بالحبر الظاهر هو ظاهر النص.
وموقع التعليل من هذا التشبيه هو تلك النار الهادئة التي إذا قربت إليها الرسالة برز مراد المرسل منها على التحقيق، وذلك أن التعليل يكشف عن المعنى المؤول للنص بعد أن كان خفيًّا ليبطل العمل بظاهر النص مع أنه كان واضحًا، كل ذلك سعيًا وراء تحقيق مراد الشارع من النص بالتحديد.
وعليه، فعمل التعليل في النص هو عمل توضيحيٌّ كشفيٌّ عن المراد منه، وليس هو تغييرًا أو نسخًا أو إبطالًا للنص، وذلك لأن النص لم يُلغَ بالتعليل بل بقي دالًا على معنى من معانيه يحتمله لغة، وهذا ليس هو شأن التعليل فقط، وإنما هو شأن القرائن كلها، ولم يقل أحد بأن صرف النص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول لقرينة من القرائن هو تغيير أو إبطال أو نسخ له، وإنما هو تبيين لمراد الشارع منه.
نعم، هو إبطال لظاهر النص، لكن هذا شيء وإبطال النص بالكلية شيء آخر، والفرق بينهما كالفرق بين تقريب الرسالة إلى نار هادئة ليَظهر بذلك أن المراد بها هو ما دل عليه مكتوبُها الخفي دون ما دل عليه مكتوبها الظاهر وبين حرق هذه الرسالة بمكتوبيْها، الخفي والظاهر معًا.
[ ٧٣ ]
فالحال الأولى هي حال المؤوِّل للنص بالتعليل أو بغيره من القرائن، والحال الثانية هي حال المبطِل للنص والناسخ له حتى لا تبقى له دلالة أصلًا لا ظاهرة ولا مؤولة.
فإذا تقرر هذا، وما سبق، فعلى ضوئه يمكن تحديد مجال تأثير تعليل النص على دلالته بأنه مهما كانت دلالة النص ظنية تقبل مزيدًا من التوضيح أمكن تأثير التعليل عليها وإلا، بأن كانت قطعية، فإنه لا يتطرق إليها تأثير التعليل بحال، وذلك لأن الدلالة القطعية قد بلغت الغاية في الوضوح بحيث لا يمكن بشيء من الأشياء الزيادة من وضوحها في الدلالة على المراد منها، فإذا ما حصل وازدادت وضوحًا بقرينة من القرائن دلّ هذا على أنها لم تكن قطعية في دلالتها، لأن المقطوع لا يزيده الظن شيئًا، وإنما الذي يزداد بالظن المظنون فقط.
فمجال تأثير التعليل على النص - إذن - هو الدلالات الظنية أو المقتضى الظني له فحسب، أما الدلالات القطعية أو المقتضى القطعي لنص من النصوص فهو عن تأثير التعليل بمعزل.
[ ٧٤ ]