أقوال الأصوليين المحدثين
لم أجد للمحدثين من الأصوليين بحثًا خاصًا في تأثير تعليل النص على دلالته، وإنما تعرض لها بعضهم في ثنايا البحث في العرف أو المصلحة أو في شروط العلة أو في مسألة التعليل بشكل عام.
وفيما يلي استعراض لبعض أقوالهم على حسب ترتيب كتبهم في الظهور.
وأبدأ بالأستاذ محمد شلبي صاحب كتاب «تعليل الأحكام» إذ إنه قد أورد - كدليل على مشروعية تعليل الأحكام بشكل عام - مجموعة من اجتهادات
_________________
(١) علاء الدين السمرقندي، الميزان، ص ٦٤٣.
[ ١٥٣ ]
الصحابة المبنية على التعليل، وقسّمها إلى أنواع تضمن بعضها تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
فقال في «النوع الثاني: أحكام وردت مطلقة أو معلّلة بعلة، فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت أو ما شُرع له الحكم قد تغيّر فغيروا الأحكام تبعًا لذلك» (^١).
وقال في «النوع الرابع: أحكام زاجرة اقتضتها الحالة لم تكن في زمن رسول اللَّه -ﷺ- قضوا بها دفعًا لمفسدة متحققة أو مظنونة، وإن أدّى إلى تخصيص النص أو ترك لظاهره» (^٢).
وشلبي، إذ يقول بتخصيص النص بعلته المستنبطة منه، ويثبته للصحابة رضوان اللَّه عليهم، يذهب في القول إلى أبعد من ذلك، حيث يقول بأن المصلحة - وهي ما يترتب على العلّة - تُخصص النص إذا تعارضت معه، قال في ختام بحث المصلحة:
«عُلم مما سبق موقف المصلحة من النصّ، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها، وليس هذا إهدارًا للنص بمجرد الرأي، بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلًا وإنه لا يتصور تعارض بينهما فضلًا عن أن يترك النص بها.
وأما غير المعاملات كالعبادات والمقدرات فلا سبيل إلى عمل المصلحة فيها، والأحكام هنا لا تتغير إلا إذا ألجأتنا الضرورة إلى شيء أُخذ به مقدّرًا بقدْرها …
_________________
(١) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص ٣٧، وقد سبق إيراد شيء من هذه الاجتهادات في الفصل الثاني.
(٢) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص ٥٦ وقد سبق إيراد شيء من هذه الاجتهادات في الفصل الثاني من هذه الرسالة.
[ ١٥٤ ]
ويُستفاد من هذا أنها تخصص النصوص في النوع الأول، وهو في الحقيقة، جمع بين الدليلين المتعارضين بحمل هذا على حالة، وذاك على حالة أُخرى أو حمل هذا على بعض الأفراد وذاك على البعض الآخر.
ومن أمعن النظر في هذا التعارض وجده صوريًا فقط لأن النص ورد لمصلحة خاصّة فلما انتهت انتهى عمله، أو جاء معلّلًا بعلة خاصة فلما زالت هذه العلة انتهى العمل به. هكذا فهم الصحابة ومن بعدهم» (^١).
وتخصيص النص بالمصلحة موضوع ذو شجون، وأَخذ ورد، وليس هذا موضع بسطه.
أما الأستاذ مصطفى الزرقاء - متّع اللَّه بعلمه - فقد تعرض لهذه المسألة - على خلاف المتوقع - عند بحثه نظرية العرف حيث قال: «إذا كان النص التشريعي معلَّلًا بعلة ينفيها العرف الحادث، سواء أكانت علة النص مصرّحًا بها فيه، أو مستنبطة استنباطًا بطريق الاجتهاد، ففي مثل هذه الحالة يُعتبر العرف الحادث، ويُحترم وإن خالف النص، لأن هذه المخالفة تصبح ظاهرية غير حقيقية ما دامت علة النص تنتفي بوجود العرف، إذ من المقرر في قواعد الأصول أن الحكم الشرعي يدور مع علته، فيثبت عند ثبوتها، وينتفي بانتفائها، وهناك شواهد فقهية عديدة على هذا المبدأ في اعتبار العرف الحادث نورد بعضها فيما يلي» (^٢).
وأورد اجتهاد الحنفية في الحديث "نهى عن بيع وشرط" (^٣) حيث استثنوا من عموم هذا النهي الشرط الذي يتعارفه الناس ومستندهم في ذلك: «هو
_________________
(١) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص ٣٢١.
(٢) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ط ٩، دار الفكر، بيروت، ج ٢، ص ٩٠٥، وسيشار له بـ مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام.
(٣) هذا الحديث لا أصل له، روي في حكاية عن أبي حنيفة ثم تداوله الفقهاء، ويغني عنه ما رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم (٣٧٥٨): "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل". وانظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ط ٣، المكتب الإسلامي، ج ١، ص ٤٩١.
[ ١٥٥ ]
النظر في علة الحديث النبوي الذي نص على منع الشرط في البيع، فقد اعتبروا أن الغرض التشريعي منه، هو منع سبب المنازعة، لأن هذه الشروط الزائدة على أصل عقد البيع يفضي تنفيذها وكيفيته إلى النزاع غالبًا، فرأوا أن العرف إذا جرى على بعضها ينفي النزاع، إذ يجعل الأمر معلومًا مألوفًا فلا يكون العرف قاضيًا على النص بل موافقًا لغرضه وروحه ولو كان عرفًا حادثًا» (^١).
ولما كان التخصيص في المثال المذكور ناشئًا عن العلة لا عن العرف الحادث، تنبَّه الأستاذ الزرقا لهذا الأمر واستدرك في حاشية الطبعات الجديدة من كتابه قائلًا: «يتضح من ذلك أن اعتبار العرف الحادث المخالف في الظاهر لعموم النص التشريعي ليس من قبيل تخصيص النص العام بعرف حادث؛ لأن من شرائط تخصيص النص التشريعي العام أن يكون دليل تخصيصه مقارنًا له في الوجود … ولكن اعتبار العرف الحادث الذي يزيل علة النص هو نتيجة لاعتبار النص مخصَّصًا بمقتضى علته، فهو تخصيص بالعلة لا بالعرف الحادث، وما اعتبار العرف الحادث إذا كان نافيًا لتلك العلة إلا تطبيق لذلك التخصيص سابق الاعتبار» (^٢).
وقال بعد بيان اختباط بعض الكاتبين في تخريج هذه المسألة:
«وهذه القضية [أي تخصيص النص بعلته] في الواقع تعتبر من أدق المواطن الفقهية الأصولية وأكثرها اشتباهًا على المحققين» (^٣).
وأما الدكتور البوطي فقد أضاف - كما هو شأنه في كتابه الضوابط - قيدًا جديدًا في مسألة تخصيص النص بالعلة، وهو أن تكون هذه العلة المخصِّصة
_________________
(١) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج ٢، ص ٩٠٧.
(٢) المرجع السابق، ج ٢، ص ٩٠٧ بتصرف.
(٣) المرجع السابق، ج ٢، ص ٣١٩.
[ ١٥٦ ]
لأصلها منصوصة أو مجمعًا عليها، فقال بأنه لا عبرة بالعرف الحادث إذا وقع في معارضة النص «وليس من خلاف بين المسلمين في هذا إلا إذا كان النص معلَّلًا وكان العرف الحادث مزيلًا لتلك العلة، ففي هذه الصورة مجال للبحث والنقاش ويرجِح فضيلة الأستاذ الزرقا [والكلام لا يزال للبوطي] في كتابه المدخل الفقهي القول بحجية العرف في مثل هذه الحال» ثم أورد طرفًا مما سبق نقله من كلام الزرقا وقال: «وهذا الذي يراه الأستاذ الزرقا دقيقٌ ووجيه ولا أظن إلا أنه الحق الذي ينبغي أن يقول به عامة الأصوليين … إلا أنه ينبغي اشتراط كون علة مثل هذا النص ثابتة بالإجماع أو بدلالة النص فحينئذ يمكن أن نطمئن إلى أن اختلاف العرف أو طروءه المؤثر في العلة الثابتة مؤثر في الحكم المرتبط به أيضًا» (^١).
وهذا القيد الذي قرره البوطي غير وجيه فيما أرى، لأن العلل المنصوصة والمجمع عليها من الندرة بمكان فيترتب على هذا القيد تعطيل الاجتهاد بالتعليل - والتعليل أصل في كل حكم - إلا في حدود ضيقة جدًا، هذا فضلًا عن كون هذا القيد مما لا دليل عليه بل إنه مخالف لما درج عليه الأولون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الفقهاء.
وأما الدكتور السعدي الهيتي فلم يعط هذه المسألة حقها من البحث في كتابه مباحث العلة عند الأصوليين، وإنما تعرض لما شرطه الأصوليون لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال ولم يزد عما قرره الزركشي - في كتابه البحر المحيط - من القول في المسألة (^٢).
_________________
(١) د. محمد سعيد البوطي، ضوابط المصلحة، ص ٢٥١ - ٢٥٣.
(٢) انظر: د. عبد الحكيم السعدي الهيتي، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين، ط ١، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ١٤٠٦ هـ، ص ٢٦٤ - ٢٦٧.
[ ١٥٧ ]
وأما الأستاذ أحمد الريسوني فقد نادى - وهو بصدد بحث مجالات العقل في تقدير المصالح - بما سماه «التفسير المصلحي للنصوص» قال: «وأعني بذلك أن تفسير الفقهاء للنصوص واستنباطهم منها، تُستحضر فيه وتستصحب المعاني والحكم والمصالح التي يعمل الشرع على تحقيقها ورعايتها، وهو ما يكون له أثره في فهم النص وتوجيهه والاستنباط منه، فقد يُصرف النص عن ظاهره وقد يُقيّد أو يُخصص، وقد يُعمم وظاهره الخصوصية، ودور العقل هنا يتمثل في تقدير المصلحة التي يستهدف النص تحقيقها، إذا لم يكن مصرحًا بها طبعًا، ثم تفسير النص بما يحققها مع عدم الغفلة عن مختلف المصالح والمفاسد التي لها صلة بموضوع ذلك النص ومعلوم أن أحد مسالك التعليل هو مسلك المناسبة وهو مسلك عقلي إلى حد كبير ولعلّ أكثر التعليلات الدائرة في الفقه تقوم على هذا المسلك بحيث تنبني عليه اجتهادات وقياسات واستنباطات لا تُحصى وكلها عبارة عن تفسير مصلحي للنصوص، وفي هذا يقول الدكتور حسين حامد حسان وهو يشير إلى آفاق (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي): "وقد ينص الشارع على حكم واقعة، دون أن يدل النص على المصلحة التي قُصد بالنص تحقيقها ويجد الفقيه أن فهم النص وتحديد مضمونه ونطاق تطبيقه يتوقف على معرفة هذه المصلحة فعند ذلك يجتهد الفقيه في التعرف على هذه المصلحة أو الحكمة أو العلة أو الوصف المناسب، مسترشدًا بروح الشريعة وعللها المنصوصة، وقواعدها أو مصالحها المستنبطة، فإذا ما توصل إلى هذه الحكمة وتعرف على تلك المصلحة فسَّر النص في ضوئها وحدد نطاق تطبيقه على أساسها" (^١)» (^٢).
_________________
(١) د. حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، ط ١، دار الكتاب العربي، مصر، ١٩٨١، ص م.
(٢) أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط ١، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤١٢ هـ، ص ٢٣٠.
[ ١٥٨ ]